فهرس الكتاب
والأخوَّة ليست لفظًا أجوف، إنها رَحِم دينية موصولة تُعطي ثمارًا أشهَى وأزكَى مما تُعطي الديمقراطية والاشتراكية في الميدانين السياسي والاقتصادي، إنها خُلُق فردي ونظام اجتماعي. وقد اعتمدت الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى على هذه الأخوة في مواجهة ظروف الحرب والسلام، والإقامة والهجرة، واقتسام المغارم والمغانم، وتحمُّل الأعباء والواجبات.
ومن ينبوع الأخوة يَنبَجس رافدان من روافد العزة والاستقرار هما مبدأ التناصر ومبدأ التَّحابِّ.
أساس التناصُر أن المسلم لا يدع أخاه أبدًا يُحرَج أو يُذَل، ويمضي لشأنه تاركًا إياه يواجه وحده ما يقع له، كلَّا، يجب أن يَلزَمه ويُثبِّته ويدفع عنه، يحامي معه أو دونه.
والواقع أن أشجع الشُّجعان لا يستغني عن عنصر مادي يُسعِفه في الشدائد، إن المرء قد يغضب إذا أُهين، وقد يستعد للقتال إذا قُطع عليه الطريق، ولكنه يغضب ويستعد ويهجُم على المعتدي إذا كان معه سلاحه، والمؤمن سلاح لأخيه، وعَضُدٌ لها في الشدائد، والمؤمن بين إخوانه يتحرك بقُوَاهم كلها لا بقوته وحده، وهذا الشعور الجماعي من معالم الجماعة المسلمة.
قال عليه الصلاة والسلام:"المسلم أخو المسلم لا يَظلِمُه ولا يُسلمه..."وفي رواية:"المسلم أخو المسلم لا يَخذُله ولا يَكذِبه ولا يَظلِمُه، إن أحدَكم مِرآة أخيه" وقال:"مَن ذَبَّ عن عِرض أخيه ردَّ الله النار عن وجهه يوم القيامة".
على أن لهذه النصرة الواجبة صورًا مختلفة تقتضي التبصُّر والروية، فليس الأمر عصبية عمياء، كلاّ، المهم إحقاق الحق وإبطال الباطل، فعن أنس، رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"قيل: أنصره إذا كان مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال:"تَحجِزه عن الظلم فإن ذلك نصرُه".
والاستعمار العالمي يجتهد في قتل مبدأ التناصر وفك تضافر الأمة، وقد أعانه على ذلك الاستبداد الداخلي.