إن هِمَّة المؤمنين تَنشُد الرضوان الأعلى ومنازل الآخرة، وهذه الصبغة الربانية صانت الأمة الإسلامية في ميدانين مهمين:
الأول: في تلقِّي العلوم الدينية وصيانتها وتعليمها للآخرين ابتغاء وجه الله.
والثاني: في الجهاد المتفاني لردِّ أعداء الإسلام، واستبقاء دولته قائمة مع إلحاح الغارات الصليبية والوثنية عليها.
إن النجاح في هذين الميدانين استَبقَى أصولَ الإسلام ومعالمه وغطَّى عيوبًا كثيرة نشأت عن مفاسد الحكم وشهوات الحكام.
وأمر آخر يظهر في ثبات البناء الإسلامي على تراخي الأزمنة؛ إن الإسلام عد العمل للحياة عبادة، وعد المالَ قيامَ الحياة وسياجَها.
وكان الصحابة يَقسِمون أيامهم، فيجعلون بعضها للبقاء مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتعلمون ويقتدون، والبعض الآخر للضرب في الأرض يَكدَحون ويَكسِبون، فإذا غابوا عَهِدوا إلى إخوانهم الحاضرين أن يحفظوا لهم ما يَجِدُّ من وحي وسنة، ليعرفوا بعد عودتهم ما هنالك، ثم يردون الصنيع لإخوانهم إذا غابوا.
ومن ثَمّ لم يَقَعْ قط أن كان المسلمون في الشئون المدنية أخفَّ كِفّةً أو أسوأ حظًّا، والدين لا يتم تحصينه إلا بدنيا قائمة وسناد مدني متين!