ونظرًا لِمَا للمال من آثارٍ خاصةٍ وعامةٍ طلب الإسلام من صاحبه أن يرد عنه عدوان الغاصبين، ولو بذل دونه دمه! روى النسائي عن مُخارق بن سليم الشيباني، أحد الصحابة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، الرجل يأتيني ليأخذ مالي! قال:"ذكِّره بالله"قال: فإن لم يَذَّكَّرْ! قال:"فاستَعِنْ عليه من حولك من المسلمين"قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال:"فاستَعِنْ عليه بالسلطان"قال: فإن نأى السلطانُ عني؟ قال:"قاتِل دون مالك حتى تكونَ من شهداء الآخرة أو تَمنعَ مالَك": تحميه.
وقد روى مسلم في صحيحه حديثًا يؤكد هذا المعنى، ويحكم بالشهادة لمن قتل دون ماله!
وإنما ذكرنا ذلك ليعرف المسلمون قيمة المال وضرورة حفظه والذود عنه!
تُرى أيوصي الشارع بهذه الاستماتة في شيء تافه؟
كلا، كلا.
إنه لولا خطورة المال في الحياة الخاصة والعامة ما فُرض القتال دونه.
ومعنى إيجاد المال وتحصينه إيجادُ منابعه وتفجيرها. وهل منابع المال إلا الضربُ في الأرض، واستغلالُ ظاهرها، واستخراجُ باطنها، واستثارةُ البر والبحر ليجودا بخيرات الله المودَعة فيهما؟
والحق أن المال سلاح رهيب، والسلاح لا يُحمَد أو يُعاب لذاته! ولكن يُحمَد في يد الشجاع المدافع عن حقوقه، ويُذَم في يد الظَّلوم المعتدي على غيره!
إنه وسيلة إلى الجنة أو إلى النار، بطريقة استخدامه (فأما مَن أَعطَى واتَّقَى. وصَدَّق بالحسنَى. فسنيسرُه لليسرى. وأما مَن بَخِلَ واستَغنَى. وكذَّب بالحسنى. فسنُيَسِّرُه للعُسْرَى. وما يُغني عنه مالُه إذا تَردَّى) (الليل: 5 ـ 11)
وقد نظر بعض الجُهَّال إلى المال في أيدي الأشرار وكرهوه؛ لأنهم يستعينون به على الفجور والفساد، ثم شرعوا ينظمون قصائد طويلة في هجاء المال وحسن التخلي عنه! حتى وَهِم العوامُّ أن المال شر في كل يد، وأن البُعد عنه غنيمة!