عملُ الضمير هنا تثبيتُ المرء على الوفاء بما عليه ولو غَمِطه الناس، وفي الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للأنصار:"إنكم ستجدون أَثَرَةً بعدي"قالوا: فما تأمرنا؟ قال:"أدُّوا الذي عليكم، وسلُوا اللهَ الذي لكم".
الواجب يؤدَّى على وجهه الكامل، وحسابي على الله والأمرُ له!
إن الانبعاث إلى العطاء يجب أن يكون بدوافع ذاتية، غايتها استرضاء الله وإن جحد الخلق (الذي يُؤتِي مالَه يَتزكَّى. وما لأحدٍ عندَه من نعمةٍ تُجزَى. إلا ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى. ولَسَوْفَ يَرضَى) (الليل: 18ـ21) .
قال المؤرخون: لاحظ صلاح الدين وهو يقاتل الصليبيين أن النار اشتعلت مرتين في معسكرات الأعداء مخلِّفةً وراءها الدمارَ والقلق، وبينما هو يرقُب جهة العدو لاحظ أن النار بدأت تشتعل، ورمق الفاعل ـ بعد ما بدأ الحريق ـ يَتحيَّز إلى جنْد المسلمين، فأمَر فجيء به، فلما مثَل بين يديه قال له: ما اسمك؟ قال الرجل: يَعلَمه الله. قال له صلاح الدين مُطَمْئنًا: إني أريد مكافأتك. قال الرجل: لو أردتُ المال ما جئت هنا. وانصرف لشأنه!
هذا جندي باسل حضَر الوَغَى ليُقاتل في سبيل ربه، واكتَفَى وهو يناضل العدو بنظر الله إليه، فلما استدعاه السلطان كَرِه أن يَنال على جراءته ثمنًا، حسبه ما عند الله!
والحق أن انتصارَ المسلمين، وفَتْحَ بيت المقدس، وكَسْرَ حِدَّة الغارة الحاقدة، وجَمْعَ فُلُول الأمة الممزقة ـ كان مِن ورائه عدد من ذوي الضمائر الموصولة بالله الراغبة إليه، قامت بعملها في صمت وعزلة وعفة.
لعل السلطان نفسه كان يضيء الطريق لهذه القلوب الطيبة حين قرر أن يشارك في حمل الأحجار على عاتقه بكرة وأصيلًا، ولو شاء لأصدر الأوامر وراقب المنفِّذين، إنه أبَى إلا أن يسُد الثغرات ويَشيد الحصون بنفسه مع جيشه!