فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 566

وأما الثلاثةُ الذين يُبغِضهم الله فالشيخُ الزاني، والفقيرُ المختال، والغنيُّ الظلوم"."

وظاهرٌ أن الثلاثة الآخرين ماتت قلوبهم، فاستمرءوا الرذائل مع ضعف الأسباب التي تَدفَع إليها.

ومن صور الضمائر الحية ما ذكرته أحاديث أخرى، عن الرجل يَقدِر على الفاحشة، ولكنه يدوس مغرِياتها، ويستبقي نفسَه طاهرًا، وصلتَه بالله زاكية.

وصورة هذا الرجل الذي استأجر عاملًا عنده، فأدى واجبه، ثم عرَض له ما صرَفه قبل أن يأخذ أجره، وبعد سنين طِوَال رجع العامل يطلب حقه الذي تركه من زمن بعيد!

كان رب المال قد أدار الأجرة في عمله، فنمت حتى أمست ثروة، فلما جاء العامل أعطاه الأصل والنماء، والعامل مدهوش!

إن الإيمان يضع ضوابط صلبة للسلوك، ويجعل من القلب دَيدَبانًا صاحيًا يحرُس الحقوق والواجبات، فلا حَيفَ ولا فوضَى!

وبعض الأنظمة تجعل من سلطان الدولة شبحًا رهيبًا يَحمِل الناس حَملًا على العمل والإتقان!

فهل تم ذلك؟

لا، لأنه ليس في مقدور نظام ما أن يضع شرطيًّا مع كل عامل في الأرض أو في المصنع لينشط، ومع كل مقاول حتى لا يغش، ومع كل طبيب حتى لا يتهاون، ومع كل تاجر حتى لا يحتكر، ومع كل رئيس حتى لا يستبد ويَطغَى.

وإذا خان الشرطي فهل يجيء له بشرطي آخر؟

قد يقال: إن رفع المستوى الثقافي وتبصير الكبار والصغار بما ينبغي وما لا ينبغي يمكن أن يمنع هذه المحذورات.

والواقع أن الجرائم الكبرى لم يقترفها إلا مجرمون على حظ كبير من المعرفة، وأن النضج العقلي لا يستلزم الطيبة والإخلاص والشرف، وكم من أذكياء أساءوا إلى أنفسهم وأممهم (أفرأيتَ مَن اتخَذ إلهَه هواه وأضَلَّه اللهُ على علمٍ وختَم على سمعِه وقلبِه وجعَل على بصَرِه غشاوةً فمن يَهدِيه من بعدِ اللهِ أفلا تَذكَّرون) (الجاثية: 23) .

إن القلب النقي، الغيورَ على الحق، الحريصَ على الشرف، القاهرَ للأَثَرة، المحِبَّ للناس ـ لا يصنعه إلا إيمان وثيق، وتعلق بالله وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت