إنه ـ كما علمني الإسلام ـ لي وليس لغيري، أليس يقول الله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا) ؟ (البقرة: 29)
ومن ثَمّ فالأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص قاطع.
والواقع أن نفرًا من سَوْدَاويِّ المزاج أُولِعوا بالتحريم، ومنهجهم في الحكم على الأشياء يخالف منهج نبي الإسلام ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.
روى أنس بن مالك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"لا تُشدِّدوا على أنفسكم فيُشدَّد عليكم، فإن قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والأديرة، رهبانيةً ابتدَعوها ما كتبناها عليهم".
وقد شاعت المدنية الحديثة"الراديو والتليفزيون"وغيرهما من الأجهزة الناقلة للثقافة والملاهي على سواء، ومعروف أن هذه الأجهزة أدوات غير مسئولة عما يَصدُر عنها، وأن المسئولية تقع على المؤلِّفين والمغنِّين والمخرِجين، ففي استطاعتهم أن يقدموا النافع ويَحجُبوا الضار!
لقد كان من المستطاع أن نتوسل بهذه الأجهزة لإشاعة اللغة السليمة وتذوق الآداب الرفيعة وحماية الأخلاق ودعم التقاليد الفاضلة. بل كان من الممكن أن نُدَرِّب الألوف على إتقان حِرَف نحن محتاجون إليها، وأن نرفع مستوى الأداء لأشغال كثيرة، فإن البطالة السافرة والمقنَّعة تَفتِك لدينا بأعمار الناس.
كان من الممكن أن نحارب عادات ضارة مورثة أو مستوردة انتشرت بيننا ووَقَفَت مسيرتَنا، إن وسائل الإعلام لو أحسنّا استغلالها تصنع الكثير، ولكن ذلك لا تستطيعه إلا أمة تُحِسُّ أن لها رسالة في الحياة، أما الأمة الذَّنَبُ فقد سقط عنها التكليف لأن غيرها يشدها.
قد يُفهَم من ذلك أني أحارب الغناء والموسيقى والترويح عن النفس.
لا، ولكني ألحظ أن الأمة العربية والإسلامية تريد أن تعمل قليلًا وتغنِّي كثيرًا، والاستجمام حقُّ المُرهَقين لا حق القاعدين!