فكم من أناس وُلدوا ولهم حقوق ليست لغيرهم!
وكم من أناس وُلدوا مُثقَلين بواجبات ليست على غيرهم!
وكم من وظائف تفاوتت الفرص في شغلها، واختير لها من ليس لها بأهل!
ولا تسأل: كيف؟
فإن ناسًا قبلك تجرَّءوا على السؤال فلم يُوقَف لهم على أثر، أو عاشوا ناكسي رؤوسِهم لفرط ما حل بهم.
إن القدرة التي يملكها البعض ولا يدري كيف امتلكها فعلت مآثمَ ومناكِرَ لا حصر لها. ومع أنه الله ـ وهو المقتدر الأعلى ـ لا يظلم أحدًا في الملكوت الذي تفرد بحكمه، وقال:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تَظَالموا"مع ذلك فإن مُلاّك السلطة والثروة دأَبوا على الظلم في أقطار كثيرة، وبعدَ لأْيٍ قَدَرَت الجماهير على تقييدهم بالدساتير والمواثيق التي وُضعت نصوصها على ضوء التجارِب المُستَفادة والذكريات المرة!
إن حقوق الإنسان وُلِدت في ديننا مع النطق بكلمة التوحيد، فعندما نؤمن بالله الذي لا يُعبد غيرُه ولا يَشرَع غيرُه ولا يَحكم غيرُه، عندئذ تسقط الوثنيات كلها عقائديةً كانت أو سياسيةً أو اجتماعيةً!
نعم، إن الإيمان بوحدانية الله وقيامِه على خلقه وتدبيره لكل أمر، والإحساس بأنه وحده الضار النافع الخافض الرافع المعطي المانع ـ إن ذلك يمنح الإنسان حرية واسعة تجعله لا يبالي بطواغيت الأرض كلها، لأنهم مهما فحُش سلطانهم ليسوا إلا عبيدًا لربه.
ونَلحَظ أن القرآن الكريم كرر قصة فرعون مع موسى بضع عشرة مرة، ذلك لأن الفرعنة مرض نفسي شائع بين الحكام المستبدين، وتأمل قول فرعون لقومه: (ما أُريكم إلا ما أَرَى وما أَهدِيكم إلا سبيلَ الرشادِ) (غافر: 29) وقوله للسحرة لما آمنوا بعد ما شهدوا معجزة موسى تَلقَف ما صنعوا: (آمنتُم له قبلَ أن آذَنَ لكم إنه لكَبِيرُكم الذي علَّمكم السحرَ فلأُقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خِلافٍ ولأُصَلِّبنَّكم في جذوعِ النخلِ ولَتعلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذابًا وأَبقَى) (طه: 71) .