فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 566

إن ذلك الفرعون السخيف يرى ألاّ رَأْيَ إلا رأيُه! فهو وحده الذي يصنع القرار، ويرى أن من اعتنق رأيًا قبل أن يستأذنه مخطئ متمرِّد! إنه ملَكَ الضمائرَ والسرائرَ، والناسُ عبيد إحساناته!

ولكي تُوقَّى الإنسانيةُ هذه اللُّوثةَ شَدَّدَت الدساتير الحديثة في أمر الشورى وإلزام أولي الأمر بها، كما وضعت قيودًا حديدية على التصرف في المال العام ومنع العبث فيه.

وكذلك وضعت قوانين صارمة لحق كل إنسان في محاكمة عادلة، فلا يُحبس أو يُعتقل أو يُؤذَى جَورًا وطغيانًا، وإنما يَبقى إنسانًا مَصونًا حتى يُصدِر القضاء النزيه حُكمًا عليه فيُؤخَذ به وحده!

إن الرسول رأى وحشيًّا الذي قتل عمَّه حمزةَ أحبَّ الناس إليه، فما استطاع أن يسيء إليه بكلمة بعدما أسلم.

ورأى عمر بن الخطاب رجلًا كان قد قتل أخاه في الجاهلية ثم أسلم، فقال له عمر: والله لا أحبك! قال: أذلك يمنعني حقي يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: لا حَرَجَ إذن، إنما يَأسَى على الحبِّ النساءُ!

الحق أن سنَّة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقاليد الخلافة الراشدة كانت نموذجًا أعلى لاحترام الإنسان والمحافظة على حقوقه. كان النبي يدعو من له مَظلَمة عنده أن يَقتَص منه ويأخذ حقه! وكان خلفاؤه كذلك، وقد رفض عثمان أن يَستنفِر أهلَ المدينة ـ خصوصًا قبيلته ـ للدفاع عنه، حَقنًا لدماء مَن استباحوا دمه!

ولو كان في الحكم رجل آخر لأهلك نصفَ الناس للدفاع عن شخصه!

في هذه البيئة الحرة تَربَّى الرجال الذين هَدَموا القيصرية والكِسرَوية، واستمع التاريخ إلى رجل منهم يقول في أرض فارس: جئنا نُخرِج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده! جئنا نخرج الناس من ضيق الأديان إلى سعة الإسلام!

كانوا يدركون أن الوجه الآخر لكلمة التوحيد هو حقوق الإنسان، الإنسان الذي لا ينحني إلا لربه وحده!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت