من هنا كانت البيئة الحرة المِهادَ الفَذَّ لتكوين الأمةِ المسلمةِ العارفةِ بربها السيدةِ في وطنها، التي لا يُجار عليها ولا يُستباح حِمَاها، وقد كره الإسلام الاستضعاف، وعزَم على المؤمن أن يكون حَميَّ الأنف عزيز الجانب!
فإن ضاقت به أرض فليرحل إلى غيرها، ولْيَبقَ كما كتب الله له قويًّا أبيًّا (قل يا عبادِ الذين آمنوا اتقُوا ربَّكم لِلَّذين أحسَنوا في هذه الدنيا حسنةٌ وأرضُ اللهِ واسعةٌ) (الزمر:10) .
على أن الرحيل لا يَسوغ أن يكون فِرارًا من مقاومة ممكِنة، جاء في خطبة لأبي بكر الصديق: إنا سمعنا رسول الله يقول:"إن الناسَ إذا رَأَوا الظالمَ لم يَأخذوا على يدِه أوشَكَ أن يَعُمَّهم اللهُ ـ تعالى ـ بعقاب"أو: إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"ما من قومٍ يُعمَل فيهم بالمعاصي ثم يَقدِرون على أن يُغيِّروا فلم يُغيِّروا إلا يوشكُ أن يَعُمَّهم اللهُ بعقاب".
والواقع أن الظلمَة من أجبن الناس، ويوم يُحس أحدُهم أنه إذا لطَم أحدًا ارتدت اللطمة إلى خده فكر ألف مرة قبل أن يعتديَ.
إنهم لا يَزأَرون إلا في الخلاء ولا يَمتدون إلا في الفراغ، والويل للشعوب الجبانة!
للإنسان حقوق سياسية تجعله ينقُد أي خطأ من السلطات كلها عُلياها ودُنياها دون أن يلحقه أي ضرر، وله أن يتولى أي منصب تُؤَهِّله له كفايته دون أن يَقِفَه عائقٌ ما. وأساس ذلك أنه ليس لأحد بعد رسول الله عصمةٌ تعلو به على النقد، وأن المناصب أماناتٌ ينالها الجدير بها، ويُبعَد عنها مَن لا يستحقها.
وللإنسان حقوق مالية تفرضها له الأخوة العامة بين المسلمين.
وقد أشرنا من قبل إلى أن"المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلمه"قال ابن حزم: ومن ترك أخاه يَجوع ويَعرَى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلَمه!