ولو خُلِّيَ المرءُ وفِكرَه لاتَّجه إلى إله واحد، ولشعَر بدوافع ذاتية إلى هذا الرب الوحيد. ولو خُلِّيَ المرءُ وفِكرَه لآثر الزواجَ على العُهْر، والصَّحْوَ على السُّكْر، والإخاءَ على الأَثَرَة، والنصيحةَ على الغش!
إنني حسن الظن بالفطرة البشرية، واعتقادي أنها كالثمر الذي يَنبُت جميلَ الرَّوَاء شهيَّ الطعم، بيد أن النبات قد تعدو عليه أمراض تشوِّه لونه ومذاقه، إن هذه الأمراض علل طارئة، وقد تعارَف الزُّرّاع على مقاومتها كي يحموا محاصيلهم. لكن الأجيال الناشئة بيننا لا تجد الحماية الكافية، ومِن ثَمّ قد تلتهمها الأوبئة الخلُقية والاجتماعية والسياسية، فيَشِبُّ الصغار مائلين زائفين!
وماذا يفعل أولئك الصغار إذا سَمِعوا منذ نعومة أظفارهم أنه لا إله والحياة مادة؟ أو سمعوا أن الآلهة شركة مقرُّها جبل أولمب، أو صحراء الجزيرة، أو فوق السحاب؟
إنهم يَكبَرون زائغين.
أتُراني أدافع عن ذلك الانحراف؟
كلا، وإنما أذكر الواقع المجرد!
والذي أعلمه أن الله زوَّد الفطرة بخصائص تملك بها حق الاعتراض على الباطل الذي يُعرَض أو يُفرَض عليها، وأن هذه الخصائص من القوة حيث يُعَدُّ إهمالها تقصيرًا سيئًا وأساسًا لمساءلة عادلة يوم الحساب، قال تعالى: (وإذ أخَذ ربُّك من بني آدمَ من ظهورِهم ذريتَهم وأَشهَدَهم على أنفسهم ألستُ بربِّكم قالوا بلى شَهِدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنا كنّا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرَكَ آباؤنا من قبلُ وكنا ذريةً مِن بعدِهم أفتُهلِكُنا بما فعَل المُبطِلون. وكذلك نُفصِّل الآياتِ ولعلهم يَرجِعون) (الأعراف: 172ـ174) .
هذا الحوار ناضح بأن الخصائص الذاتية للفطرة الإنسانية قادرة على المقاومة والرفض، يجب أن يرفض العقلُ الخرافةَ ويتشبث بالحقيقة. يجب أن يرفض الضميرُ البشري الإثمَ ويتشبث بالبر والطيبة.