وإذا حدث أن خَفَتَ صوت الفطرة جاءت نَجدات من الخارج لمعاونته كي يؤديَ وظيفته، ويَبقَى الإنسان إنسانًا، يَعرِف ربَّه ويُؤثِر دَرْبه!
وإذا كان الوحي الإلهي غيرُ كافٍ في إيقاظ الفطرة وإعادة التائه إلى رشده، أحاطت بالأفراد والجماعات آلام تَكسِر الغرور وتَرفُق الحُجُب وتحمل البشرية على الخضوع لمولاها ومناشدته الرحمةَ: (وما أرسلنا في قريةٍ من نبيٍّ إلا أخَذنا أهلَها بالبأساءِ والضراءِ لعلهم يَضَّرَّعون) (الأعراف: 94) .
ومع ذلك فالفطرة وحدها لا تخطئ في كل شيء! إنها تخطئ وتصيب، وتجور وتستقيم! ودورنا ـ نحن المسلمين ـ أن نَدعَم الصوابَ، وأن نُوهِّنَ الخطأ، وأن نذكِّرَ بما تُنُوسيَ من حق.
وفي ظلُمات الجاهلية الأولى شعَر نفر من ذوي القلوب النبيلة أن المستَضعَفين يُجار عليهم في الحَرَم وتُغصَب حقوقهم، فتجمعوا وقرروا أن يُغيثوا الملهوف ويَبقَوْا إلى جانبه حتى يَرضَى، ذلك هو حِلف الفُضول الذي تم في دار عبد الله بن جُدعان.
وبعد ظهور الإسلام ونزول الوحي ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الحِلفَ بإعزازٍ وولاءٍ وقال:"لو دُعِيتُ به في الإسلام لأجَبتُ".
نعم، إن الإسلام الذي جاء به هو الإنسانية في صورتها الوسيمة. ونحن ـ انبعاثًا من هذا المعنى ـ نرى لِزامًا علينا في الميدان الدولي أن نُحارب التفرقة العنصرية، وأن نخاصم الاستكبار بالقوة، وأن نُقِرَّ عينَنا بانتصار العدالة، وأن نَفرَحَ بشيوع الرخاء بين عباد الله.
إنني أَغبِط الرجال الذين يعملون باسم"لجنة العفو الدولية"على اليقظة الخُلُقية والغيرة الإنسانية التي تجعلهم يرقُبون الأحداث في العالم، فإذا وجدوا ظلمًا شهَّروا به، ومزَّقوا الأستار عنه، وألَّبوا الدنيا عليه.