على أن الإنسانية في غَيْبة الوحي تشعَّبت بها الطرُق وتفرَّقت مذاهبَ شتّى، كما زاحمت الفطرةَ غرائزُ وأهواء جامِحة، والحضارة التي تَسُود العالَم اليوم تَشُوبها نقائص ونقائض كثيرة.
وربما اختلف الناس في مفهوم العدل، بل في مفهوم الفضيلة والرذيلة، وبين الجبهتين اللتين تحكمان العالم تفاوتٌ واسع في وجهات النظر.
وذلك كله يؤكد ضرورة الرجوع إلى وحي الله والاستهداء به في متاهات الظنون ومتشعبات الهوى، إنه لابد من دينٍ لدنيا الناس.
ونحن ـ المسلمين ـ نملك الوحي الخاتم، ومن حقنا وحدنا أن نتكلم باسم موسى وعيسى ومحمد جميعًا، فإن كتابنا جمَع لُباب الدين وتضمَّن جملةَ الحقائق التي يفتقر إليها البشر، ليُوفُوا بحق الله أولًا، ثم لِيَتعايَشُوا متعاونين متراحمين في هذه الحياة.
بيد أن الناس لن يسمعوا حرفًا منّا ما بَقِينا على تخلفنا الشائن، وما بَقِينا جهلةً بقيمة التراث الذي لدينا، وما بَقِينا على غنانا نتسول من الشرق أو الغرب برامج إصلاح وضرورات حياة.
فلنستَعِدْ ثقتنا بأنفسنا، ولنُوثِّقْ إيماننا، ولنتَمَسكْ بالخصائص التي زَكَت وارتقَت بها أمتنا، وهي ما قررته الآية الكريمة: (كنتُمْ خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَتْ للناسِ تأمُرُون بالمعروفِ وتَنهَونَ عن المُنكَرِ وتُؤمِنُونَ باللهِ) (آل عمران: 110) .
إننا لسنا جبهة ثالثة في العالَم، إننا الجبهة الأولى فيه، فلما أَزرَينا بأنفسنا أَزرَى بنا الآخرون، وطريق العودة ممهَّد لا مسدود!