بعد هذا التفصيل لنزول الغيث إلى مترقِّبيه بلهفة بالغة تسمع رب العالمين يقول للإنسان: (فانظُرْ إلى آثارِ رحمةِ اللهِ كيف يُحيي الأرضَ بعد موتِها) (الروم: 50) .
كأنه يقود المَرْء إلى النتيجة البَدَهِية بعد تجربة معملية تمت بين سمعه وبصره! هذه آثار الرحمة، وهذه آثار القُدْرة، وهذه مظاهر العلم، وهذه.. الخ، كل شيء يشهد لله ويُوَجِّه إليه!
وكما قال للإنسان انظر قال للناس: (انظُروا إلى ثَمَرِه إذا أَثمَرَ ويَنْعِه إن في ذلكم لآياتٍ لقومٍ يؤمنون) (الأنعام: 99) .
ومما يُعين على فهم الأسلوب القرآني أن نتذكر حقيقة فلسفية معروفة؛ هي أن العالم ليس له من ذاته وجود! إن وجوده طارئ عليه من الخارج!
أترى المصباح الكهربائي عندما تغمز"الزر"فيضيء، إنه لا يضيء أبدًا من ذاته، لابد من تيار خارجي يَسري فيه ليتوهج! إنه مُعَدٌّ فقط للاستقبال، وإشعاعٌ ما يجيئه من جهة أخرى.
كذلك الكون، إن وجوده ذاتًا وصفاتٍ مُفَاضٌ عليه من أعلى، وإذا انقطع التيار الذي يمده تلاشى واستخفى فلا أثر له، وهذا معنى قوله تعالى: (إن اللهَ يُمسِكُ السماواتِ والأرضَ أن تَزولا ولئن زالَتا إن أَمسَكَهما مِن أحدٍ مِن بعدِه إنه كان حليمًا غفورًا) (فاطر: 41) .
وعندما يلفت القرآن الكريم نظرنا إلى آيات الله في الأرض والسماء وما بينهما، فهو يعطينا فكرة عن الإيجاد والإمداد معًا، ولا بأس أن يضم إلى ذلك إشعارًا بأنه الله الواحد، وأن ما عداه من آلهةٍ مزعومةٍ إفكٌ مبينٌ (اللهُ الذي جعَل لكم الأرضَ قَرَارًا والسماءَ بناءً وصوَّركم فأَحسَنَ صُوَرَكم ورَزَقكم من الطيباتِ ذلكم اللهُ ربُّكم فتَبارَكَ اللهُ ربُّ العالمينَ. هو الحيُّ لا إلهَ إلا هو فادعوه مُخلِصينَ له الدينَ..) (غافر: 64،65) .