ويلفت نظرنا في تكرار أي قصة أن القرآن الكريم يُقَلِّب النفس الإنسانية على شتى جوانبها، ويعالجها طورًا بالهدوء وطورًا بالصرامة، طورًا بالشد وطورًا بالرخاء، والغرضُ أن تَترُك باطلها وتُقبل على هدايات الله.
انظر مثلًا إلى قصة هود مع عاد، إنك ترى هودًا في سورة الأعراف بدأ هادئًا طويل الأناة مع ناس أشبه بالثيران الهائجة: (وإلى عادٍ أخاهم هودًا قال يا قومِ اعبدوا اللهَ ما لكم من إلهٍ غيرُه أفلا تتقون. قال الملأُ الذين كفروا من قومِه إنَّا لَنَراكَ في سفاهةٍ وإِنَّا لَنَظنُّك من الكاذبين) (الأعراف: 65،66) .
فإذا تأملت في القصة نفسها عندما تعرضها سورة"هود"وجدت النبي الحليم يبدأ منددًا بوثنية قومه وحاسمًا في كشف كذبهم على الله ومنذرًا بسوء المآل إن هم بقُوا على جبروتهم: (وإلى عادٍ أخاهم هودًا قال يا قومِ اعبدوا اللهَ ما لكم من إلهٍ غيرُه إن أنتم إلا مُفتَرون... ويا قومِ استغفِروا ربَّكم ثم توبوا إليه يُرسلِ السماءَ عليكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قوةً إلى قوَّتِكم ولا تَتولَّوا مُجرِمين) (هود: 50،52) .
وتفسير هذا أن لقاء أي نبي مع قومه لا يقع مرة واحدة، إنه لقاء يبقى عشرات السنين، وما يدور بينهم وبينه من حديث لا يأخذ صورة واحدة، بل يأخذ صورًا كثيرة!
وحتى لو وقع لقاء واحد ـ كما حدث لموسى مع السحرة ـ فإن كل ما دار من حوار لا يُثبَتُ في عَرْض واحد، بل تُوزَّع أجزاء الحوار على ما تقتضيه المناسبات المتفاوتة.
ومِن ثَمَّ كان القصص القرآني مجالًا رحبًا لمعالجة النفوس والجماعات من عِلَلِها المُنَوَّعة بما يلائمها من الدواء الناجع، فسَبكُ القصة ملحوظٌ فيه نقلُ ما يفيد الناس من بدء الوحي حتى قيام الساعة!