في هذا الحديث جرعة منعشة للإرادة التي غلبها اليأس من طول ما انهزمت في الحرب السجال بين الخير والشر أو بين العصمة والسقوط، والمراد أن تَفيق لتستأنف سيرها إلى الله وتلزم الصراط المستقيم، فالحديث هنا يشبه قوله تعالى: (يا عباديَ الذين أسرَفوا على أنفسِهم لا تَقنَطوا من رحمةِ اللهِ إن اللهَ يَغفرُ الذنوبَ جميعًا إنه هو الغفورُ الرحيمُ. وأنِيبوا إلى ربِّكم وأَسلِموا له) (الزمر: 53 ، 54) وليس الحديث تهوينًا من مَغَبّة الانحراف كما يتصور الجهال.
وشيء آخر نلفت البصائر إليه؛ أن آفة الكثيرين من العصاة هي عبادة النفس! أعني أنهم يعبدون أنفسهم من دون الله، أو يشركون أنفسهم مع الله، ويقدمون هواهم على دينه.
ومن برئ من هذه الأَثَرة الغبية ووقف أمام الله، أو لقيَه هاضمًا نفسَه، باديَ الفاقة إليه وحده ـ فهو أهل لأن يَحظَى بمغفرته.
وذلك في نظري السر في رفض الله سبحانه لأي شيء يُعتبَر شريكًا له، إن أي شيء يعكر حقيقة التوحيد، مهما كان أمره، بشرًا أو حجرًا أو مالًا أو جاهًا، هو صَدْع هائل في الإيمان!
أما الحديث النبوي فهو ما ينسب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قول أو فعل أو حكم أو تقرير. فإن الرسول الكريم إمام الأمة وأسوتها الحسنة وله عليها حق الطاعة، كما بين الله ذلك في كتابه (وأطيعوا الرسولَ لعلكم تُرحَمون) (النور: 56) (من يُطِعِ الرسولَ فقد أطاع اللهَ) (النساء: 80) .
وبعض الناس لا يفقه معنى الرسالة ولا مكانة الرسول، ويحسب أن القرآن وحده كافٍ في هداية الناس دون بيانٍ من صاحبه، ودون تطبيقٍ عملي يوضح مراد الله من عباده، وهذا خطأ بالغ، فإن القرآن ليس نقطةً عثَرنا عليها في فلاة، ولا كتابًا نظريًّا يستطيع كل امرئ أن يفسره على هواه ضاربًا عَرضَ الحائط بتوجيهات من نزَل عليه وكُلِّف بتبليغه!
والحق أن تجاهل السنة النبوية جهل فاضح بقدر أعظم رجل في تاريخ الإنسانية الطويل.