إن محمدًا لو لم يكن رسولًا لكان لنفاسة مَعدِنه، وطُهْر سريرته، ومَجَادَة نفسه ـ أهلًا لأن يُسمَعَ نصحه! فكيف وهو بالرسالة التي اختير لها قد اتَّصِل بالملأ الأعلى، وأَضحَى معصومًا في كل ما يَصدُر عنه (وما يَنطِقُ عن الهَوَى) (النجم: 3) .
إنه عندما يتكلم يبلِّغ عن الله ويصدُر عن فؤاد موصول بنور السموات والأرض، وكما قال الله له: (وكذلك أوحينا إليك رُوحًا من أمرِنا ما كنتَ تَدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكن جعلناه نورًا نَهدي به من نشاءُ من عبادِنا وإنك لتَهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ) (الشورى: 52) .
ونختار من الحكمة النبوية هذا الحديث الشريف:
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم اللهُ تعالى يوم القيامة، ولا يَنظرُ إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌٌ:"
رجلٌ على فضلِ ماءٍ بفلاةٍ يَمنَعه ابنَ السبيل، يقول اللهُ له يوم القيامة: اليومَ أمنعُك فضلي كما منَعتَ فَضلَ ما لم تَعمَلْ يداك.
ورجلٌ بايع رجلًا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله تعالى؛ لقد أخذها بكذا وكذا، فصدقه وأخذها، وهو على غير ذلك.
ورجلٌ بايع إمامًا لا يبايعُه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها ما يريد وفَّى له، وإن لم يُعطِه لم يَفِ له"."
وجمهور المسلمين على أن طاعة الرسول من طاعة الله سبحانه، وأن من قرر عصيان رسول الله ورفض ما أمر به أو نهَى عنه فقد خلَع رِبْقة الإسلام من عنقه.
والواقع أن من يترك حديثًا ما من المرويات التي بلغَتنا لا يفعل ذلك تمردًا على صاحب الرسالة، وإنما شَكًّا منه في صدق ما نسب إليه، أو في المعنى المراد منه.
بيد أن السنة الشريفة ليست ـ كما يتصور البُلْهُ ـ كلامًا جُمع بطريق الجُزاف أو سُجل دون وعي!
لا، إن جميع الضوابط التي يمكن حشدها لضمان الصدق والدقة قد اتخذها علماء المسلمين.