والنفخة التي سَرَت في أوصالي وجعلتني خَلقًا آخر تستحق التأمل العميق، إنني الآن واحد من خمسة آلاف مليون بشر، هل نحن خمسة آلاف مليون نسخة من كتاب واحد؟
كلا، إنه كما تختلف بصمات أصابعنا وملامح وجوهنا تختلف مواهبنا الفكرية ومشاعرنا النفسية. لكل قلب همومه وأشواقه، ولكل عقل مجرى تفكير وقدرة استنباط، أي أن النفخة هاهنا!
فإذا كان ذلك في عصر واحد فماذا عن نهر الحياة الدافق من بدء الخليقة؟
وماذا عن أجيال البشر الذي يتوارثون عمارة هذه الأرض ما شاء الله؟
إن الله العظيم الذي أشرف على كل جنين وتابع أطواره حتى اكتمل وزحَم القرونَ بيَّن أن هذه الحياة الإنسانية المذهلة شيء صغير بالنسبة إلى ما خلَق من عوالمَ لا نَدريها! أليس القائل: (لخَلقُ السماواتِ والأرضِ أكبرُ من خَلقِ الناسِ ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يَعلمون) ! (غافر: 57) .
إن الشبه واحد بين أسماع الناس وأبصارهم؛ أي بين مظاهر الحياة الإنسانية العادية، ولعل ذلك ما جعل شوقي يقول:
يا نفسُ مثلُ الشمس أنت أشعة في عامر وأشعة في بلقع
فإذا طوى الله النهار تراجعت شتى الأشعة والتقت في المرجع
إن الغروب الذي يطوي الأشعة في رأي العين فيبدأ الليل، كالموت الذي يسترد السر الإلهي فتنتهي الحياة.
لكن الشمس تغرب من ناحية لتطلع في أخرى، والنفس تموت بيننا أو تَخفَى بيننا لتستأنف وجودها في عالم آخر!
وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشير إلى هذا المعنى عندما يقول في كل صباح:"أصبحنا وأصبح الملك والحمد لله، لا شريك له، لا إله إلا هو وإليه النشور"وعندما يقول في كل مساء:"أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا شريك، له لا إله إلا هو وإليه المصير".