فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 566

ومع البعث تبدأ الخصائص الإلهية في كل نفخة تقدم حسابها الخاص بها، وكل امرئ حسابه على قدر ما أُعطيَ من مواهب وإمكانات (لا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا ما آتاها) (الطلاق: 7) (فلا تُزكُّوا أنفسَكم هو أعلمُ بمن اتَّقَى) (النجم: 32) .

وعلى أية حال فإني قد أدري أن جسمي يتكون من تراب هذه الأرض، لكني لن أصدق أبدًا أن الحب والبغض والرجاء واليأس والذكاء والغباء والذكر والنسيان معانٍ نبتت مع العشب والكلأ وجاءتني من تراب هذه الأرض!

ثم شيء آخر يجعلني أحُس بأبي آدم وبأنه حقيقة لا يَبليها تطاول العصور، ذاك هو وحدة الشعور والفكر بيني وبينه، إن الله أسكنه دارًا حسنة وسط حديقة يانعة، فيها ما يُغني ويَكفي وقال له: (اسكُنْ أنت وزوجُك الجنةَ وكُلاَ منها رَغَدًا حيث شئتُما ولا تَقْربَا هذه الشجرةَ) (البقرة: 35 ) بيد أن الإنسان يريد اكتشاف المجهول ولو كان تافهًا، يريد الحصول على الممنوع وإن كان مؤذيًا. في الحلال الطيب سَعَة، أو في دائرة المباح مَقنَع! لكنّ آدم أبَى إلا الجريَ وراء الوهم.

وكانت له آمال باطلة يود لو تحققت، إنه يحب الخلود ويحب أن يكون ملاكًا! يا أبانا ما تبغي! إن الله أسجد لك ملائكته فكيف تنزل دون مكانتك! وجعل إلى مشيئتك البقاء في الجنة والتقلب في رياضها فماذا تخاف!

وعرف الشيطان مكان الضعف من نفس أبينا الطامع فحلف له بالله أن أمانيَّه سوف تتحقق إن هو أكل من الشجرة المحرمة. وكان صوت النهي قد بدأ يَخفِت، ومضى زمن على الحظر المفروض، كانت الأماني الباطلة خلاله لا تزال على شدتها، ولم ييأس الشيطان من مهمته فظل يوسوس ويُغَرِّر بالأب الذاهل، حتى دحرجه من مكانته وأخرجه من جنته.

تذكرت قول المتنبي:

وفي الناس من يَرضَى بميسور عيشه ومركوبُه رجلاه والثوبُ جلدُهُ

ولكن قلبًا بين جنبيَ مالَهُ مدًى ينتهي بي في مُرادٍ أُحِدُّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت