فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 566

وعندما ننظر إلى تاريخنا الإسلامي الطويل نجد أن قتال المرتدين إلى آخر رَمَق تَمّ دفاعًا عن الدين والدولة معًا، وما سمعنا برجل قُتل مرتدًّا لأنه ترك الصلاة مثلًا، بل على العكس رأينا أبا نُوَاس يرفض من يلومه في شرب الخمر ويقول في وقاحه:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء

فهل قُتل أبو نواس أو غيره بتهمة الردة؟

واضطُّرَّ صلاح الدين الأيوبي إلى قتل صوفي يدعو إلى مبدأ وَحدة الوجود! وذلك لأن عصابات الباطنية التي اعتنقت المبدأ تعاونت مع الصليبيين المهاجمين على ضرب الدولة، وكانت حصون الحشّاشين شوكة في ظهور المجاهدين الذين يقاومون الغزو الأوربي المُميت، فلم يجد القائد الإسلامي بُدًّا من تطهير الجبهة الداخلية وإزاحة كل من يُعرِّض مستقبل الإسلام للضياع في حرب حياة أو موت.

وإلا فإن كتب كثير من رجال التصوف مَلأَى بفكرة الوَحدة، وقد تُرك للعلماء أن يناقشوها بالبرهان وحده!

وقد لاحظت أن كثيرًا من أهل الشغف بتكفير مخالفيهم يتخيرون من آراء الفقهاء ما يحلو لهم ويُهيلون التراب على غيره، فلما ثار كلام في عقاب تارك الصلاة كسلًا لم يذكروا إلا أنه يُقتل حدًّا أو مرتدًّا، ومعلوم من الفقه الحنفي الذي حكم الدولة الإسلامية قرونًا طويلة أنه لا يُقتل لا حدًّا ولا مرتدًّا، بل يُؤاخَذ بأساليب أخرى إذا جحَد الحكمَ المعلوم من الدين بالضرورة.

إن الارتداد، كما شرحنا، خروج على دولة الإسلام بُغيةَ النيل منها ومنه، والإتيان عليها وعليه، ومقاتلة المرتدين ـ والحالة هذه ـ دين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت