والخبرة بهذا البحر المتلاطِم من المعارف تحتاج إلى عبقرية فذة. ثم ينضم إلى ذلك ما قرره المسلمون بإجماع أن العلم النظري وحده لا يكفي في إعطاء قيمة أبيّة لإنسان! لابد معه من تجرد لله، وصلابة في الخلق، ونزاهة في السلوك، واستعلاء على إغراء الحكم والمال!
إن الفقه والفقهاء أسس شامخة في حضارتنا، ولا يَضير البحرَ أحيانًا أن يَحمل موجُه بعضَ الغُثاء!
والمسلمون الآن يعانون هزائم فقهية وسياسية أليمة! ومع تسلط الغزو الفكري على أقطارهم حسِب البعض أن الدين صلة خاصة بالله، وأن الصلات الإنسانية بعد ذلك موكولة إلى الفكر الإنساني العادي، وبذلك يسقط الفقه عن مكانته ويتحرك الناس وَفْقَ ما يضعون من قوانين!
وهذا الكلام جهالة فاضحة بالإسلام، بل هو ارتداد حقيقي عنه، فإن القرآن الكريم كما تحدث عن العقائد والأخلاق تحدث عن العلاقات الاجتماعية والدولية، ورسم للأسرة وللدولة جميعًا ما شاء الله من شرائع وتوجيهات.
وسيرة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تكن سيرة رجل يعيش في صومعة، بل كانت سيرة عابد مجاهد يُشرِف على استقامة الأخلاق، كما يُشرِف في الوقت نفسه على توزيع المال في المجتمع، والإمساك بدفة الحكم، وشئون الحرب والسلام، أي أن صومعته كانت الدنيا كلها.
وموضوع الفقه الإسلامي بعد العقائد والأخلاق يتناول أعمال المكلَّفين دون استثناء، ويَبِتُّ فيها وَفْقَ توجيهات الكتاب والسنة وما يعتمد عليها من دلائل! ألا ما أرحب هذه الدائرة وأغناها!
وأرى أن اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء يعطي الساسة والقضاة فرصًا كثيرة للتصرف في نطاق الشريعة على هدًى من مبادئها.
ولنضرب مثلًا مما يقع في عصرنا هذا الذي تقاربت فيه الأزمنة والأمكنة والشعوب والملل.
يقول الشيخ محمود شلتوت: