فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 566

ويجيء بعد أبي بكرٍ عمرُ ليقول للناس في المسجد الجامع: إذا وجدتم فيَّ اعوجاجًا فقوِّموه. فيُسمَع من بين الصفوف صوت يقول: لو وجَدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا! فيكون جواب عمر: الحمد لله الذي أوجد في المسلمين من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه!

وفي رواية أن عمر خطب فقال: يا معشر المسلمين، ماذا تقولون لو مِلتُ برأسي إلى الدنيا هكذا؟ فشق الصفوف رجل يقول، وهو يلوِّح بذراعيه كأنهما حسام ممشوق: إذن نقولَ بالسيف هكذا. فسأله عمر: إياي تعني؟ فيجيب الرجل: نعم إياك أعني بقولي. فيرد عمر: رحمك الله، الحمد لله الذي جعل فيكم من يقوِّم عِوَجي.

ويجيء دور عثمان، الخليقة النبيل المظلوم، الذي يقول للناس: إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في القيود فضعوهما.

وقد كان عثمان قديرًا على استصراخ عشيرته وإعمال السيف في محاصريه، لكن الرجل الحَيِيَّ الرقيق قَبِلَ أن يموت دون أن يستبيح قطرة دم لمسلم!

ويتولى عليٌّ الخلافة فيقول: إنما أنا رجل منكم، لي ما لكم وعليَّ ما عليكم!

ويقول: ليس لي أمرٌ دونكم.

ويقول لصاحبه: إياك والاستئثارَ بما الناس فيه أسوةٌ."سواء".

ولما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، ميراثًا من أجداده بني أمية، كره الرجل الكبير هذا الوضع الذي يرفضه الإسلام، وخرج إلى المسجد الجامع يقول للناس: لقد ابتُلِيتُ بهذا الأمر على غير رأي مني، وعلى غير مشورة من المسلمين، وإني أخلع بيعة من بايعني، فاختاروا لأنفسكم! فردت الجماهير بصوت واحد: بل إياك نختار يا أمير المؤمنين.

هذه هي الخلافة الراشدة التي أُمِرنا أن نستمسك بسنتها.

أتُرى واحدًا من رجالها يعرف الحق الإلهي للملوك؟

أو يظن نفسه فوق الأمة قِيدَ إصبع، ويحتسب الحكم بقرة حلوبًا تَدُرُّ عليه وعلى أسرته وأتباعه؟

أتُرى واحدًا منهم نكَّل بمعارض أو ضيَّق عليه الخِناق أو حرَمه حقًّا له؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت