فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 566

ولْأَشرَحْ ما أعني: إن الله يعلم ضعفنا ويتجاوز كثيرًا عن هفواتنا، ولو أخَذ المرءَ بأول عثراته ما نجا أحد من عقابه (ولو يؤاخِذُ اللهُ الناسَ بظلمِهم ما ترَك عليها من دابّةٍ) (النحل: 61) .

إنه يمهل ويمهل، حتى إذا فاض الإناء فضَح وآلَم! وذلك ما أشار إليه عمر عندما استغاثته امرأة: يا أمير المؤمنين، ابني سرَق، وهذه أول مرة. فقال لها: كذَبتِ، إن الله لا يَفضَح عبدَه لأول مرة!

نعم، إن الله يستر كثيرًا، حتى إذا توقَّح المرء وتبجَّح جرَّه سوء أدبه إلى مصيره.

ومع ذلك، فإن الذي شرع الحدود ندب المؤمنين إلى الستر على المنحرفين، ومنحهم فرصة متاب لعلهم يَرعَوُون! فعن سعيد بن المسيب أن رجلًا من قبيلة أسلم اسمه"هَزَّال"شكا رجلًا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ متَّهِمًا إياه بالزنى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"يا هَزَّال، لو ستَرته بردائك لكان خيرًا لك".

وكانت هذه الشكوى قبل نزول آية القذف، وإلا لجلده النبي ثمانين جلدة.

والغريب أن الرجل المشكُوَّ الذي أمر الرسول بستره هو"ماعز"المؤمن التائب الذي أبى إلا أن يموت مطهَّرًا، كأن الرسول الكريم أُلهِم الدفاعَ عن رجل صالح يكره الإثم ويضيق باقترافه، وإن وقع فيه!

وفي إقامة الحدود جاء عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ادرَءُوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مَخرَجٌ فخَلُّوا عن سبيله، فإن الإمامَ أن يُخطئَ في العفو خيرٌ من أن يُخطئَ في العقوبة".

وقد كان حد السكر على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضربًا مُهينًا يُوقع بالعِرْبيد الذي قُبض عليه، ثم رأى الصحابة بعدُ أن يُجلَد السكير أربعين أو ثمانين جلدة.

أما حد السرقة فهو قطع اليد، ولم يقل أحد: إن الجائع تُقطَع يده إذا سرَق ما يَقُوته. إنما تُقطَع يدُ البطال المعتدي على كسب الآخرين وكدحهم، والذي يبني سلوكه على الظلم والإفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت