والجواب: لا، ففي حديثٍ آخرَ صحيحٍ إلحاقٌ للمجوس بأهل الكتاب:"وسع سُنَّة أهلِ الكتاب"الحق أن الحديث في مشركي العرب الذين ضنُّوا على الإسلام وأهله بحق الحياة، ولم يحترموا معاهدة مُبرَمة ولا مَوثِقًا مأخوذًا.
وقد مُنح هؤلاء أربعةَ أشهر يُراجعون أنفسهم ويُصَحِّحون موقفهم، فإن أَبَوْا إلا القضاءَ على الإسلام وَجَبَ القضاءُ عليهم.
وقد فصَّلت سورة براءة هذه القضية في أوائلها: (إلا الذينَ عاهدتُم من المشركينَ ثمَّ لم يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا ولم يُظاهِرُوا عليكم أحدًا فأَتِمُّوا إليهِمْ عَهدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ) (التوبة: 4)
أما مَن نصَّبوا أنفسهم لحرب الله ورسوله وعباده إلى آخِرِ رَمَقٍ فلا يلومون إلا أنفسهم.
وقد يتساءل البعض: لماذا جاءت كلمة"الناس"عامةً في الحديث:"أُمِرتُ أن أقاتل الناس"؟ والجواب: أن"ال"كما يقول علماء اللغة للعهد، تأمَّلْ قوله تعالى: (الذينَ قالَ لهم الناسُ إن الناسَ قد جمَعوا لكم فاخشَوْهم) (آل عمران: 173)
فكلمة"الناس"الأولى تعني بعض المنافقين، والثانية تعني بعض الكفار.
وهذا هو المعهود في أذهان المخاطَبين.
وتأمَّلْ قوله تعالى: (ورأيتَ الناسَ يدخُلون في دينِ اللهِ أفواجًا) (النصر: 2)
إن (الناس) هنا ليسوا البشرَ جميعًا، إنهم العرب وحسب!
رأيت فريقًا من الناس يخدعه الظاهر القريب في هذا الحديث، فيتوهم أن الرسول يشُنُّ حربًا شاملة على البشر، ولا يزال يُحرِجهم حتى ينطقوا بالشهادتين.
وهذا فَهمٌ ـ كما أسلفنا ـ لم يقُلْ به فقيه، ولا يستقيم مع مرويات أخرى في غاية الصحة والوضوح، ولم يُؤثَرْ عن تاريخ المسلمين وهم يقاتلون"الإمبراطوريات"الاستعمارية التي أظلم بها وجه الحياة قرونًا عِدّة.
ورأيتُ أناسًا آخرين يسارعون إلى تكذيب الحديث دون وعي، ويتخذون منه ذريعة إلى مهاجمة شتَّى الأحاديث الصحيحة، دون تمحيص لسنَد أو متن، ودون تقيُّدٍ بقواعد اللغة أو مقتَضَيات السياق.