وفي البلاد الراشدة يَندُر كل النُّدرة أن تذهب حصيلة الضرائب في إجابة شهوة خاصة، من أجل ذلك ينظرون إلى المتهرب من الضرائب على أنه ارتكب ما يَحرِمه من المناصب الكبرى وما يَصِمُه بأردأ التهم!
وقد فرقنا في كتاب آخر بين الضريبة والزكاة، فإن الله فرض الصدقة تطهيرًا للنفس من رذيلة الشح، ومساعدةً للفقراء على رد الضوائق والأزمات، وإسهامًا في الدفاع عن العقيدة.. الخ.
وحدد القرآن الكريم مصاريف الزكاة في ثمانية أصناف لا يجوز أن تَعدُوَها إلى غيرها.
أما دائرة الضريبة فهي أوسع مصادرَ ومصارفَ، ومن حصيلة الضرائب يَنهَض الكيان السياسي والعسكري والحضاري للأمة، ومنها يُنفق الجهاز الإداري.
وقد تكثر الضرائب وترتفع نسبها خصوصًا أيام الحروب حتى تصل إلى 90% من الدخل العام.
أما الزكاة فموكولٌ إليها ابتداءً القضاءُ على البأساء والضراء، ومن مصارفها الثمانية سهمٌ قد يوجَّه للجهاد العسكري! لكنْ مغارم الجهاد قد تمتد لتشمل المال كله، والنفس معه.
ولعلك ترى من هذا أن ثَمّة تشابكًا بين دائرتَي الضريبة والزكاة، مع انفراد كل منهما بمجال تَختص به!
والأمم الكبرى ـ خصوصًا من لها نشاط عالمي ـ تَفتَنُّ في وضع الضرائب وتعديد أوعيتها وتَقرِن ذلك بأهداف قومية مباشرة وغير مباشرة.
والإسلام حدد نسب الزكاة ومستحقيها، لكن النشاط الإسلامي العالمي الممتد يفرض على المسلمين بذلًا لا يقف عند حد كي يبلِّغوا رسالات الله، ويُحسنوا الدفاع عنها.
وقد تأملت في مطالب التربية والتعليم، ومطالب الدعوة والثقافة، ومطالب الأسطول البحري والجوي، ومطالب الجيش وأسلحته الكثيرة، ومطالب الصناعات المدنية والعسكرية.. الخ فوجدت أن ذلك يتطلب أموالًا لا تَغيض منابعها، فأدركت معنى قوله تعالى: (إن اللهَ اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم) (التوبة: 111) وقولَه: (انفِروا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدوا بأموالِكم وأنفسِكم في سبيلِ اللهِ) (التوبة: 41) .