والتجارة على كل حال ينبغي أن تكون شريفة الوسائل نبيلة المسالك، وفي صيحة تحذير من الغش والخداع والجشع يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن التجَّار يُبعَثون فُجَّارًا يوم القيامة، إلا مَن اتَّقَى اللهَ وبَرَّ وصدَق".
ومعروف أن التاجر يشتري السلعة بثمنٍ ما، ولكنه عندما يضع لها سعرًا للبيع يضيف إلى ثمنها الأصلي نفقاتِ النقل والتخزين، ثم الربحَ الذي يقيم عليه حياته، وقد يضيف إلى ذلك زيادةً ما لضمان غَدِه!
إن التاجر ليس موظفًا حكوميًّا له أجره الرتيب، وله مدخرات تكفُل معاشه بعد ترك الوظيفة، كلا، إن الميدان الذي يعمل فيه يقوم على المخاطرة، وبَدَهي أن يحتال التاجر ليحفظ حاضره ومستقبله جميعًا.
والناس تعلم ذلك وترضى به في نطاق الاعتدال، وإن كان هناك من يغالي في تقدير أجره على تعبه أو يغالي في مستوى العيش الذي ينشده!
وفي ربح التجارة يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمَنوا لا تأكلوا أموالَكم بينَكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن تَرَاضٍ منكم) (النساء: 29) .
وللشيخ محمد عبده تفسير غريب لهذه الآية، فهو يقول:
إنما استثنى الله التجارة من عموم الأموال التي يجري فيها الأكل بالباطل ـ أي بدون مقابل ـ لأن معظم أنواعها يدخل فيه الأكل بالباطل! فإن تحديدَ قيمة الشيء وجَعلَ ثمنه على قدره بقسطاسٍ مستقيمٍ عزيزٌ عسيرٌ إن لم يكن مُحالًا! فالمرادُ من الاستثناءِ التسامحُ بما يكون فيه أحد العِوَضين أكبر من الآخر، وما يكون سببُ التعارض فيه براعةَ التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ولا تغرير. فإن المرء قد يشتري الشيء من غير حاجة مُلِحَّة إليه، وقد يشتريه بثمن يعلم أنه أكبر مما يباع به في مكان آخر، ولا يكون لذلك سبب إلا أن البائع أمهر وأقدر، مع بعده عن الغش ومحافظته على الصدق!
قال الشيخ: