فيكون هذا الكسب من باطل التجارة التي تمت بالتراضي، وهو ما استثنته الآية الكريمة! والحكمةُ في إباحته الترغيبُ في التجارة لشدة الحاجة إليها، وتنبيه الناس إلى استعمال ما أوتوا من ذكاء في اختيار الأشياء، وضبط المعاملات، وحفظ أموالهم التي جعلها الله لهم قيامًا أن يذهب شيء منها بالباطل.
ثم قال:
فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا خرَج به الربح الكبير الذي يحصل عليه التاجر من غير غش ولا تغرير، بل تم بتراضٍ لم تنخدع فيه إرادة المغبون.
ولو لم يُبِحِ الشارع مثل هذا لما رَغِب في التجارة ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين.. الخ.
وقد ناقش الدكتور محمد زكي عبد البر هذا الكلام ورفضه، وفسر التراضيَ بأنه ركن التجارة المباحة، ويعني طِيبَ النفس بالأخذ والإعطاء، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرئ مسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه".
قال الدكتور:
لا نذهب إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإمام من مشروعية التجارة عن تراضٍ ولو كان بها شيء من الباطل ترغيبًا في التجارة لشدة الحاجة إليها؛ لأن القول بالمشروعية يتنافى مع الباطل، ولأن الأمر إذا شُرِع لا يُعَدُّ باطلًا، وإذا كان باطلًا لا يكون مشروعًا.. الخ.
ويبقى بعد ذلك كله السؤال الوارد:
أليس لأرباح التجار حدٌّ تقف عنده وتَحرُم بعده؟
ربما لا نجد نصًّا صريحًا في تحديد الربح، والذي نراه أن الظروف الطبيعية تقف بالمكاسب عادة عند حدود الاعتدال!
لكنّ نفرًا من التجار يحاول السيطرة على هذه الظروف والتلاعب بقانون العرض والطلب، ويصل إلى غايته بالاحتكار المتعمَّد للسلع حتى يبيعها بأضعاف سعرها.
والاحتكار جريمة خلُقية واجتماعية، وهو أقصر طريق لأكل أموال الناس بالباطل وإشباع النَّهَم الفردي من حاجة ذوي الحاجات.