فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 566

وما سقتُها إلا لأنها تصور الفكر السائد عند جمهور من المتديِّنين، وهو الفكر الذي حاربه زعماء الإصلاح وأئمة العلم وبيَّنوا بُعده السحيق عن دين الله.

وما أدري كيف يكتب هذه الكلمات من يعرف أن الدين النصيحةُ ومقاومةُ المنكر! وأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر! وأن الأمة إذا هابت أن تقول للظالم:"يا ظالم"فقد ماتت موتًا ماديًّا وأدبيًّا!

هل قرأ مصدر هذه الفتوى قوله تعالى: (ولا تَركَنوا إلى الذين ظلَموا فتَمَسَّكم النارُ وما لكم من دونِ اللهِ أولياءُ ثم لا تُنصَرون) ؟ (هود: 113) .

إننا لم ننصره من عدة قرون لشيوع الظلم بين المسلمين، وكثرة من يداهنون الجائرين ويأكلون على موائدهم!

في بني إسرائيل ـ وهم من هم ـ دعا القاضي"كاهان"رئيسَ الحكومة فمثَل بين يديه، ثم دعاه مرة أخرى وأنذره إن تأخر، فجاء رئيس الحكومة طائعًا، ثم صدر الحكم ضده وضد من معه.

وقال الناس: يستحيل أن يقع هذا في بلد عربي! وأردفوا ساخرين: الماء لا يجري إلى أعلى! قلت: وبركات السماء لا تنزل على الأدنى.

إن الاستبداد السياسي أعمى المسلمين عن حقائق الكتاب والسنة، فغَشِيَهم من الضياع ما غشيهم.

والإصلاح في الميدان السياسي كالإصلاح في الميدان العقائدي، له رجاله المرموقون.

وهناك الإصلاح في الميدان الثقافي، وغايته ـ كما أرى ـ إعادة الرشد إلى العقل الإسلامي الذي كاد يفقد وعيه بعد غيبوبة طالت وتراكمت آثارها، وأمسى المسلمون معها لا يعرفون رأسًا من ذَنَب في أفق المعرفة الدينية، وأمسَوْا عالةً على غيرهم في علوم الكون والحياة.

إن الله يبعث رسله من أنفَس السلالات البشرية مَعدِنًا وأحدِّها ذكاءً وفطنةً، والغريب في الأمة الإسلامية أنها كادت تَحصُر علوم الدين بين الغوغاء والهَمَل، وتكاد تلاوة القرآن الكريم تكون حرفة لأشباه المتسولين! فهل نجني من ذلك إلا المر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت