ماذا عليهم لو قبلوا القرار وبقُوا مع أمير المؤمنين حتى استقر له الأمر؟
أليس ذلك خيرًا مما حدث؟
وهناك معارضة تُضعِف الدولة أمام خصومها، وقد تهدد وجودها ورسالتها، إن هذه معارضة سيئة بلا ريب.
وقد رفض الإسلام كل معارضة من هذا القبيل، فهل معنى هذا إعطاءُ الحكم الفردي الأعمى ضماناتٍ أبدية لبقائه والدفاع عنه؟
هل معنى ذلك أن الإسلام يسكت عن حكمٍ يغتال الحقوق، ويُذِلُّ النفس، ويعطل الحدود، ويستَحلُّ الحرمات؟
كلا.
وأمامي الآن فتوى جبانة مضلِّلة، تُلبِس الحق بالباطل، وتحرِّف الكلم عن مواضعه.
فتحت عنوان: هل تجوز منازعة الإمام الجائر؟ جاءت هذه الكلمات:
ذهبت طائفة من المعتزلة وعامة الخوارج إلى منازعة الجائر، وأما أهل الحق ـ وهم أهل السنة والأثر ـ فقالوا: الصبر على طاعة الجائر أولَى، والأصول تشهد أن أعظم المكروهَيْن أولاهما بالترك. فقال عياض: وأحاديث مسلم كلها حجة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم:"أطِعهم وإن أخَذوا مالَك وضرَبوا ظَهرَك"وقال الطَّرطوشي في سراجه: حديث أبي داود عظيم الموقع في هذا الباب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يطلُبون منكم ما لا يجب عليكم، فإذا سألوا ذلك فأعطوهم ولا تسبُّوهم"أي ندفع لهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم، ونكف ألسنتنا عنهم. وقال ابن العربي: السلطان نائب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجب له ما يجب لرسول الله من التعظيم والحرمة والطاعة! ويزيد على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا بحرمة زائدة، لكن لعلة حادثة بأوجه، منها الصبر على أذاه، ويُدعَى له عند فساده بصلاحه.
وقيل لمالك: الرجل عنده علم بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: يخبر بالسنة، فإن سُمع منه وإلا سكت. قيل: فينصح السلطان؟ قال: إن رجا أن يسمعه، وإلا فهو في سعة.
والواقع أن الجبن وحب الحياة ومهادنة الضلال تَقطُر من كلمات هذه الفتوى، وما تربِّي إلا أذنابًا للحاكمين وحواشيَ للمستبدين.