وفي هذا يقول الله للمسلمين: (شَرَعَ لكم من الدينِ ما وَصَّى به نوحًا والذي أوحَينا إليك وما وصَّينا به إبراهيمَ وموسى وعيسى أن أَقيموا الدينَ ولا تَتفرَّقوا فيه) (الشورى: 13) .
ونحن ـ المسلمين ـ نَجزم بأن كل رُشد آتاه الله رسلَه الأوَّلين فقد أتَى القرآنُ به، ثم أَربَى عليه بعد ذلك ما تفتقر إليه الأجيال اللاحقة مما يسُدُّ كل ثغرة، ويَمحَق كل شبهة، ويرد همزات الشياطين.
إنني ـ أنا المسلمَ ـ أشعر بولائي لموسى وعيسى ومَن قبلَهما من أنبياء الله، ومحبتي لأولئك المصطَفَينَ الأخيار نَبَعَت من أن محمدًا عرَّفني بهم، وأَعلَنَ أخوَّته لهم وجهاده معهم في طريق مشترك.
وفي السورة الأولى ـ بعد فاتحة الكتاب ـ تُذكَر أصولُ التقوى كما بينها القرآن الكريم، فتُشرَح على هذا النحو (ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه هدًى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاةَ ومما رزقناهم يُنفقون. والذين يؤمنون بما أُنزِلَ إليك وما أُنزِلَ مِن قبلِك..) (البقرة: 2 ـ4) .
ومع هذا التلقِّي البيِّن بين الإسلام والأديان الأولى، فإن تاريخ الحياة مع أتباع الأديان مُحزِن مُوجِع؛ قال اليهود: ليست النصارى على شيء. وبادَلَهُم النصارى الحكم نفسه، ثم قال الاثنان معًا: ليس المسلمون على شيء. وقال الماديون جميعًا: ليست الأديان السماوية الثلاثة إلا خرافة، وليس أتباعها على شيء.
ويظهر أن النفس الإنسانية تشدها إلى شهواتها خيوطٌ قوية، وقد يَكرَهُ المرءُ أن يَظهَرَ عبدَ غرائزه فماذا يصنع؟
يستبدل بهذه الخيوط أوامرَ سماوية، شريطةَ أن تحقق له ما يشتهي! فإذا هو ينتمي إلى أحد الأديان ظاهرًا ودينُه الباطنُ عبادةُ نفسه وبلوغُ هواه، وقد يكون التدينُ الفاسد أضرَّ بالحياة من الجهل بالدين كله!