وعندما نطالع مسيرة الإنسانية من قديم تَفجُؤنا هذه المأساة، ولنتدبرْ قوله تعالى: (كان الناسُ أمةً واحدةً فبعَث اللهُ النبيينَ مبشِّرين ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ معهم الكتابَ بالحقِّ ليَحكُمَ بين الناسِ فيما اختلَفوا فيه وما اختلَف فيه إلا الذين أُوتُوه من بعد ما جاءتْهم البيناتُ بغيًا بينهم) (البقرة: 213) .
الجملة الأخيرة أزاحت الستار عن أسباب الاختلاف والتعادي والتقاتل الذي وقع بين المتديِّنين، إنه البغي!
والإنسان يتحول إلى وحش خبيث عندما يغلِّف شهوته بالقيم الرفيعة، ويزعُم أنه يقاتل من أجلها، والواقع أنه يقاتل من أجل شيء آخر!
لنتركْ هذه التهم، فكل دين ابتُلِيَ بمستغلِّين أساءوا إلى الناس باسم رب الناس.
ولنشرحْ تحديد الإسلام لعلاقته بمَن سبق مِن رسل وبما سبق مِن كتب.
عندما شاء أهل الكتابَين السابقَين تحكيرَ الهُدَى على ما عندهم وحدهم: (وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تَهتَدوا) (البقرة: 135) قال الله لأتباع محمد: (قولوا آمنا باللهِ وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ وما أُوتِيَ موسى وعيسى وما أُوتِيَ النبِيُّون من ربِّهم لا نُفرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ له مُسلِمونَ) (البقرة: 136) .
إن هناك وَحدةً دينيةً يدعو إليها النبي الخاتَم تقوم على أصول عامة جامعة، وصحيح أن هناك اختلافًا في الفروع تنوَّعت من أجله الشرائعُ على مر العصور، لكنّ الخلاف في هذه الشرائع ليس ذا بالٍ.
وعلى أية حال فإن شبكة القوانين التي رسمها القرآن وأوضحتها السنَّة هي الطريقة المُثلَى لضمان المصالح المنشودة إلى آخر الدهر.
ولم يقع التقاتل على هذه التشريعات الفرعية، إنما وقع التقاتل على أركان العقيدة وأصول الإيمان، وإن كان الشرود المبدئي قد جر إلى مخالفات أهدَرَت معالمَ الحلال والحرام، وجرَّأت على اقتراف الربا والزنى والسكر وكثير من الآثام.