ونحن ـ المسلمين ـ المصدِّقين بنبوة موسى وعيسى وبما أنزَل الله عليهما من كتب، نرى أن اليهود والنصارى هجَروا ما أنزَل الله إليهم، وتركوا الأيامَ تجر عليه ثوب النسيان.
ومن هنا أُوحيَ إلى النبي الخاتَم أن يستمسك بما أُوتيَ، وأن يَلتزمَ الإنصافَ في معاملة أتباع أولئك النبيين: (فلذلك فادْعُ واستقِمْ كما أُمِرتَ ولا تَتبِّعْ أهواءَهم وقل آمنتُ بما أنزَل اللهُ من كتابٍ وأُمِرتُ لأعدلَ بينكم اللهُ ربُّنا وربُّكم لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكم لا حجةَ بيننا وبينكم اللهُ يَجمَعُ بيننا وإليه المصيرُ) (الشورى: 15) .
ونثبت هنا أدبًا جليل القَدْر، التزمه القرآن الكريم وهو يحكي سِيَرَ الأنبياء الأولين، وما تعرضت له هذه السِّيَر ـ بعدُ ـ من تحريف يتصل بجوهر الإيمان.
فقد ذكر سِفْر"التكوين"أن الله تنزَّل من عليائه وتناول الطعام مع نبيه إبراهيم!
وقد أبَى القرآن مناقشةَ هذه القضية الغريبة، واكتفى بذِكْر قصة ضيف إبراهيم المُكرَمين على حقيقتها دون تكذيب لأحد من الرواة!
والمعروف أن الله أنزل التوراة على موسى ـ قيل: كتبها له بيده ـ وأمره أن يأخذ بني إسرائيل بأحكامها.
والذي يقرأ التوراة اليوم يجد فيها مشهدًا مؤثِّرًا لوفاة موسى، وكيف أنه عاش مائة وعشرين سنةً فلم يَتغضَّنْ له جلد ولم يَكِلَّ له بصرٌ ثم مات، وناحت عليه نسوة إسرائيل كذا يومًا، ودفن بعَرَصات"مؤآب"ولم يُعرَف قبره!
وظاهر أن هذا الكلام لمؤرِّخ كان يسجل حياة موسى بين قومه، ولكنْ كلام المؤرخ تَسلَّل بطريقة ما إلى التوراة نفسها، التوراة التي نزلت على موسى، وأصبح جزءًا منها!
ولم يشأ القرآن الكريم أن يكشف هذا الزيف، مكتفيًا بتقرير العقائد والأخبار الصحيحة، على نحو ما ورد في عدد الفتية (أهل الكهف) ما قيمة الجدال الطويل هنا وهناك: (فلا تُمارِ فيهم إلا مِرَاءً ظاهرًا ولا تَستَفْتِ فيهم منهم أحدًا) (الكهف: 22) .