فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 566

ومع ذلك الخلط فقد اعتبر الإسلام أن ما لدى القوم من مواريث يجعلهم أهل كتاب، ويجعل مكانتهم أرفع من مكانة المَلاحدة وعبَدة الأصنام، وأن ما بَقِيَ لديهم من تعاليم سماوية يُتيح مُخالطتَهم، والأكلَ من أطعِمتهم، والتزوجَ من نسائهم، وحمايةَ معابدهم وشعائرهم.

(يَسأَلُونَكَ ماذَا أُحِلَّ لَهُمْ) ويأتي الرد: (اليومَ أُحِلَّ لكمُ الطيباتُ وطعامُ الذين أُوتُوا الكتابَ حِلٌّ لكم وطعامُكم حِلٌّ لهم والمُحصَناتُ من المُؤْمناتِ والمُحصَناتُ من الذين أُوتُوا الكتابَ من قبلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أجورَهنّ مُحصِنين غيرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخدانٍ) (المائدة: 5) .

والمقصود من هذا كله تذويب الجفوة، وتمويت الفرقة، والتعرف بما لدينا في جو من السماحة والوُد.

وأحسَب أن هذه الحكمة من وراء السكوت المُتَعمَّد عن مناقشة مواضع التحريف الكثيرة في مرويات القوم، وأنها جزء من نطاق العفو الذي ورد في قوله تعالى: (يا أهلَ الكتابِ قد جاءكم رسولُنا يُبيِّنُ لكم كثيرًا مما كنتم تُخفُون من الكتابِ ويعفو عن كثيرٍ قد جاءكم من اللهِ نورٌ وكتابٌ مُبينٌ) (المائدة: 14،15) .

وما أجمَلَ أن يَعرِض موسى قضيةَ اليوم الآخر في خطاب الله له: (إن الساعةَ آتيةٌ أكادُ أُخفيها لتُجزَى كُلٌّ نفسٍ بما تَسعَى. فلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بها واتَّبَعَ هواه فتَرْدَى) (طه: 15،16) والتوراة القائمة ليس فيها ذكر ليوم القيامة أو الجنة والنار.

وما أجمَلَ أن يَعرِض عيسى نفسُه قضيةَ التوحيد فيقول لقومه: (إن اللهَ ربي وربُّكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيمٌ) (آل عمران: 51) .

هكذا عرَض القرآن النبواتِ السابقةَ لتَبقَى تعاليمها مع النبوة الخاتمة هدايةً للإنسانية حتى يومها الأخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت