فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 566

وقارئ هذه الأسماء لا يفهمها إلا إذا عرف الكون والحياة، عرف هذه السماء المبنية والأرض المفروشة، عرف قوافل الأحياء وهي تعبر عصرًا بعد عصر في طريقها إلى الدار الآخرة.

لا يمكن أن تتم معرفةُ الله بمَعزِل عن ملكوته الكبير، ومتابعةٍ لقَدَره المُحكَم وهو يَهزِم ويَنصُر ويُضحك ويُبكي ويَخفِض ويَرفَع (يدبِّرُ الأمرَ يفصِّلُ الآياتِ لعلكم بلقاءِ ربِّكم تُوقنون) (الرعد: 2) .

والعارف بالله من خلال إحصائه للأسماء الحسنى يعرف أن العالم كبير، ولكن خالقه أكبر منه! وأن عقل الإنسان جهاز رائع، ولكنّ مُبدِع الألوف المؤلفة من العقول المنتشرة في القارات الموجودة من أزل الدنيا إلى أبدها أروع وأوسع!

وماذا نقول؟

إن الحشرة المتحركة على الثرى لا تدري ما الإنسان وما ذكاؤه، وما الكون وما أبعاده.

إن الكلمة لا تدري ما كاتبها. فكيف نعرف ـ نحن التافهين ـ كُنْهَ الذات العليا وآماد عظمتها؟

إننا في نطاق العبودية العاجزة نسبِّح بحمد الله ونتحدث عن مجده، ونعلن بصدقٍ ولاءَنا له وفقرنا إليه.

ولعلمائنا بعضُ التعليقات على الحديث الذي ذكر الأسماء التسعة والتسعين؛ قالوا: الأسماء المتقابلة لا ينبغي أن نذكرها مفرَدة واقفين عند المعنى الذي لا نحب، كالضار النافع، والمذل المعز، والقابض الباسط.

فإن هذه الأسماء ذُكرت بمعانيها المتضادة حتى يعلم البشر أن ما ينوبهم من خير وشر ليس بمَعزِل عن علم الله وتقديره! وله جل شأنه أن يختبر عباده بما يسوء ويَسُرّ.

وعلى العبد أن يطلب كشف الضر ممن أرسله، ويغلب أن يكون مُصَاب المرء من عند نفسه، وأنه حُرِم اللطفَ بسبب ما اقترفه، ومن ثَمّ يطلب العفو والتجاوز.

ومن الأدب لذلك أن ينسُبَ الخير لله وينسُبَ الشر لنفسه، وتأمل في دعاء الخليل: (الذي خلَقني فهو يَهدِينِ. والذي هو يُطعِمني ويَسقِينِ. وإذا مَرِضتُ فهو يَشفِينِ) (الشعراء: 79) ولم يقل: أمرضني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت