وقال أبو إسحاق الشاطبيّ: إن الاجتماع على ذكر الله بصوت واحد من البدع المحدَثة التي لم تكن في زمان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عصر السلف، ولا عُرفَت قط في شريعة محمد، وفي الحديث الصحيح"إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
الواقع أن هذا المسلك انحراف دينيّ مرفوض، ونحن هنا نتساءل: ما الذي حَمَل عليه ودفع جماعة من العابدين إليه؟
لابد من تحديد السبب لإمكان الدواء، إن الفقير قد يلزم طعامًا واحدًا لأنه لا يجد غيره، ولو كان مُوَسِّعًا لَنَوَّعَ وكَثَّرَ، وخطيب الأرياف الذي لا يَحْفظ إلا خطبة واحدة لا يَجِد بُدًّا من تكرارها ماذا يصنع؟ ذلك مبلغه من العلم، وهكذا.
والأمة الإسلامية حَبَسَت نفسها، أو حبستها ظروف سيئة في جملة من العبادات لا تتجاوزها، فإذا اتسع وقتها وشاقتها الطاعة كررت ما تعرف، فضمت إلى صلاة الفريضة مثلًا صلاة نافلة، فإذا اتَّسَع الوقت أكثَرَ تَنَفَّلَت أكثَرَ!
وربما عَنَّ للبعض أن يَخْتَرِع من عند نفسه عبادات لا أَصْلَ لها؛ ليزداد بها قُرْبَى إلى الله.
ونسأل مرة أخرى: لماذا انفتح باب الاختراع في الدين وهو شر، ولم ينفتح باب الاختراع في الدنيا وهو خير؟
ولماذا كَرَّرَ الأتقياء الصلوات والصيام والذكر والاستغفار، وزادوا أرصدتهم من النوافل هنا، على حين قلَّت أو صغُرت الأرصدة في ميادين الأمر والنهي والجهاد المدنيّ والعسكريّ، والاحتراف والتَّطْوَاف بالبر والبحر، ومسابقة الأمم في تنمية النشاط العمرانيّ وتطويعه لِدَعْم الحق ومساندة الخير؟