فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 566

الحق المر أنَّ الفساد السياسيّ من وراء هذه البلبلة الفكرية، فإن الرجل التَقِيَّ قد يُحاوِل مَرْضَاة الله بكلمة صادقة صريحة، فإذا هو يَدْفَعُ رأسَه ثَمَنَها! وقد يُؤَثِّلُ لنفسه وبَنِيه مالًا فإذا مصادرة جائرة تَجْتَاح كل ما جَمَعَ! وقد يبرُز في ميدان ثقافيّ أو أدبيّ أو صناعيّ فإذا هو يساوَم؛ أَيعطِي ولاءَه للحاكم الفَذِّ أم يختفي؟ أمَّا الحِيَاد فلا!

الفرار من هذا البلاء أَوْلَى ولو إلى مجالس ذِكْر تُبْتَدَع! أو خَلْوَات قَصِيَّة تُقْصَد ويُعْتَزَل بها المجتمع!

لقد كان المهندس"سِنِمَّار"ماهرًا في فن البناء، فلَما أبدع قصرًا لأحد شيوخ القبائل كي يتطاول فيه، رأى الشيخ الكبير أن سنمار قد يبني مثله لغيره يشاركه العظمة، فماذا يصنع؟ ألقى بسنمار من سطح القصر، ليبقى القصر وحيدًا للرجل الوحيد!

إن جنون العظمة لا يقف عند حد، وهو قَمِنٌ إذا استبَدّ أن يُهلِك الدين والدنيا معًا. واعتقادي أن الفساد السياسيّ مِن وراء انهيار الأمة الإسلامية وضياعها دُنيَا ودِينًا.

لقد بَقِيَت صور العبادات الشخصية، بل زاد حَجم هذه العبادات بالبِدَع التي اخترعها أهل البطالة وأَقْبَل عليها الرِّعَاع، يتمايلون ويتراقصون. أما العبادات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وسائر الأنشطة الحضارية، فقد اعْتَلَّت ثم تَوَقَّفَت، فلَمَّا جاء العصر الأخير كنا في ذيل العالم نَتَرَنَّح، أما الحكام الأكارم ففي ظلٍّ ممدود وماء مسكوب.

وهَمَسَ في أذني رجل صالح، قال: دَعْنِي من سخريتك هذه! وسأقرأ عليك صفحة فيها خير كثير!

قلت: اقرأ، فأنا إلى خير الله فقير!

قال: كتب محمد المَوّاق وفّقه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت