ما أَحقَرَ الدنيا يوم تُنالُ بهذا الثمن! وما أحراها بهذا الوصف الحكيم: (واضرِبْ لهم مَثَلَ الحياةِ الدنيا كماءٍ أنزَلناه من السماءِ فاختلَطَ به نباتُ الأرضِ فأصبَحَ هشيمًا تَذرُوه الرياحُ وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ مقتدرًا) (الكهف: 45) .
لكنّ للحياة الدنيا جانبًا آخر لابد من بحثه ودراسته، إننا نُوجَد فيها ونقضي فيها أمَدًا لا ندري مبدأه ولا منتهاه، والذي أوجَدَنا أخبَرَنا أننا لن نُترَكَ سُدًى وأنه لم يَخلُقنا عبثًا!
إننا أمام عمل جاد وامتحان خطير! وإن علاقتنا بالأشياء والأشخاص محكومة بقوانين دقيقة، وإننا خُلقنا للبقاء لا للفناء، وإن اليوم بَذْر وغدًا حَصاد.
وإن المكان الممهَّد والزمان المحدَّد هما ساحة سباق هائل توشك نتائجه أن تُعلِن: (تَبارَكَ الذي بيدِه الملكُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. الذي خلَق الموتَ والحياةَ ليَبلُوَكم أيُّكم أحسنُ عملًا) (الملك: 1،2) .
وإذا كانت الدنيا قنطرة لما وراءها فمن الحماقة محاولةُ الخلود فيها، أو حصرُ الاهتمام في مآربها وحسب!
إن ما يُستَصحَب منها للغد المرتَقَب هو الحق، والذي يعيش عبدَ بطنِه دابّةٌ، وقيمتُه ما يَخرج منه. والذي يَسبِيه جنونُ المال والجاه، ويُقلقِلُ كلَّ شيء لإثباتِ ذاتِه رجلٌ تائهٌ!
كان أبو الطيب المتنبي يرى أن العظمة هي مجد السلطة ونيل الحكم:
وتَرْكك في الدنيا دويًّا كأنها تَداوُلُ سمعِ المرءِ أُنمُلةَ العَشرِ
كان يرى نفسه قمة يجب أن تتوج بالأبهة والسناء وما لم يُتَحْ لأحد! أليس القائلَ:
وكلُّ ما خلَق اللهُ وما لم يَخلُقِ محتَقَرٌ في همتي كشعرة في مَفْرِقي؟
يحسَب المرء سيدًا لأنه تكوَّن في بطن معيَّن، ونشأ الناس من ماء مَهِين، أما هو فمن ماء شريف.