فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 566

إنه ـ مع احترامنا لقوانين الوراثة ـ نُقَرِّر أن الوراثة لا تُنشئ عظمة ولا تُكسب نجاحًا، فهناك أنبياء من أصلاب كافرة، وهناك فُجَّار من أصلاب أنبياء، وقد كان أبو الطيب شاعرًا مُفلِقًا، من أبٍ لا يَعرف شعرًا ولا نثرًا، وكان أبو العلاء فيلسوفًا متشائمًا، من أبٍ لا يَدري شيئًا من الفلسفة.

ثم إن روافد الوراثة غامضة المَنبَعِ والكُنْهِ في أبناء الجيل الواحد، فكيف إذا تكاثرت الأجيال؟ ونحن نعرف النكتة المروية عن امرأة جميلة أحبت عبقريًّا دميمًا، وعرضت عليه الزواج ليُنجِبا ابنًا يَرِث جمالها وذكاءه! فقال لها الرجل: أخشى أن يَرِثَ غباوتَك ودَمَامتي!

إن القول بأن جنسًا ما ذكيٌّ بأصل الخِلْقة، وجنسًا آخر غبيٌّ بأصل الخلقة قول فيه ادّعاء ظاهر. إن ظروف البيئة هي التي تصنع الأعاجيب، وهي التي تُنمي المواهب أو تقتلها، بل هي التي تُحيي الفطرة أو تُميتها.

والجنس الأبيض الذي يَعمُر غرب أوربا وشمالها، والذي يفرض وصايته على العالم كله، كان أيامًا طوالًا يشتهر بالغباوة والانحطاط، وقد نقلنا في كتابنا"مع الله"كلام المستشرق"فيليب حَتِّي"عن تأخر الأوربيين الحضاري وتفوق عرب الأندلس عليهم:

"... في الوقت الذي كانت فيه جامعة أكسفورد ترى الاستحمام عادة وثنية، كانت الأجيال من علماء قرطبة تتمتع بالاستحمام في مؤسسات فاخرة..."

ويدلنا على موقف العرب حِيالَ برابرة الشمال ـ هكذا كان آباؤنا يُسمُّون سكانَ أوروبا ـ وفكرتهم عنهم ما ورد في كلام عالم"طليطلة"صاعد القاضي المتوفَّى سنة 1070م فقد كتب عنهم:

إن إفراط بُعد الشمس عن مُسامتة رءوسهم برّد هواءهم وكشَف وجوههم، فصارت لذلك أمزجتهم باردة وأخلاطهم فِجّة! فعظُمت أبدانهم، وابيضَّت ألوانهم، وانسدلت شعورهم، وانعدمت دقة الأفهام وثقوب الخواطر، وغلب عليهم الجهل والبلادة، وفشا فيهم العَمَى والغباوة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت