فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 566

إن التحضير المُتقَن دلالةُ احترام المرء لنفسه ولسامعيه، وقد تَفْجَأُ الإنسانَ مواقفُ يَرتجل فيها ما يَلْقَى به الناسَ ويصور ما بنفسه، والواقع أن القدرة على الارتجال تجيء بعد أوقات طويلة من الدُّرْبَة على التحضير الجيد، وعلى تكوين حصيلة علمية مُواتِيَة لكل موقف، ومع ذلك فإن المهارة في الارتجال لا تُغني عن حسن التحضير للعالِم الذي يريد أداء واجبه بأمانة وصدق، والذي يقدِّر إنصاتَ الناس له واحتفاءَهم بما يقول.

11ـ الإيجاز أَعْوَنُ على تثبيت الحقائق وجَمْعِ المشاعر والأفكار حول ما يراد بَثُّه من تعاليم،

فإن الكلام الكثير يُنسي بعضُه بعضًا، وقد تضيع أهم أهدافه في زحام الإطناب والإفاضة، ألا ترى الأرض تحتاج إلى قَدْرٍ مُحَدَّد من البذور كَيْمَا تنبُت، فإذا كثُر النبات بها تَخَلَّلَها الفلاح باجتثاث الزائد حتى يُعطيَ البقيةَ فرصةَ النماء والإثمار‍! كذلك النفس البشرية لا تَزْكُو فيها المعاني إلا إذا أَمْكَن تحديدها وتقويمها، أما مع كثرة الكلام وبعثرة الحقائق فإن السامع يتحول إلى إناء مُغلَق تسيل من حوله الكلمات مهما بلغت نَفَاسَتُها.

وللإطنابِ المُمِلِّ أسبابٌ معروفة منها سوءُ التحضير، فإن الخطيب الذي يَلقَى الناسَ بالجُزَاف من الأحكام والتوجيهات لا يَدْرِي بالضبط أين بلغ قوله، وهل وصل إلى حَدِّ الإقناع أم لا، فيحمله ذلك على التكرار والإطالة، وما يزداد من الجمهور إلا بُعدًا.

وقد تنشأ الإطالة عن سوء التقدير للوقت والمواقف، فيظن الخطيب أن بحسَبه أن يقول ما عنده وعلى الناس أن ينصتوا طَوعًا أو كَرْهًا، وهذا خطأ.

مما يُحكَى في قيمة الإيجاز أن أحد الرؤساء طُلب منه إلقاءُ خطبة في بضع دقائق، فقال: أَمهِلوني أسبوعًا. فقيل له: نريدها في ربع ساعة. قال: أستطيع بعد يومين. قيل له: فإذا طلبناها في ساعة؟ قال: فأنا مُسْتَعِدٌّ الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت