فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 566

وقيام الليل فريضة على النبي وحْدَه، إن الإحساس بالله نَهْرٌ جارٍ في شعوره لا يتوقف أبدًا! في وضَحِ النهار أو في جُنْحِ الليل لا يُرَى محمدٌ إلا موصولَ القلب بالله! وهو بهذا الذكر الدافق في حِسِّه المستولِّي على نفسه يَنضَح على من حوله، ويصل الأرضَ بالسماء طُهرًا وضَوْءًا، مستجيبًا لقول الله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الليْلِ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ الليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء: 78،79) .

وقد حاول نَفَر من أصحابه أنْ يُتَابِعُوه في هذا النهج، لشدة حبهم له ورغبتهم في تقليده، غير أن الله ـ سبحانه ـ رَحِم ضعفهم وحَطَّ عنهم ما جَشَّمُوا به أنفسهم (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ الليْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ الليْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ) (المزمل: 20) .

ذلك بالنسبة إلى الأصحاب، أمَّا الرسول نفسه فبَقيَ قيام الليل كله من خصائصه، وقد كان ينبعث إلى هذا القيام عن حب ورغبة لا عن تَكَلُّف وعَنَت، كان عميق الشعور بنعمة الله عنده واصطفائه له، وإلى ذلك يشير عبد الله بن رواحة بقوله:

وفينا رسولُ اللهِ يتلو كتابَه إذا انْشَقَّ مَكْنُونٌ من الفجر ساطعُ

أرانا الهُدَى بعد العَمَى فَقُلُوبُنَا به مُوقِنَاتٌ أَنَّ ما قَالَ وَاقعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَه عن فِرَاشِه إذا اسْتَثْقَلَتْ بالمشركين المَضَاجِعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت