كان العرب في جاهليتهم يكرهون الأنثى ويتشاءمون لولدها، وقد اشتطت بهم هذه الكراهية حتى حملتهم على اقتراف جريمة لم تُعرف في جنس آخر، جريمةُ وأد البنات، ولست أدري أذلك خشيةَ العار كما يزعمون أم هو إحياءٌ دينيٌّ ضالٌّ كما يُفهم من الآية الكريمة: (وكذلك زُيِّن لكثيرٍ من المشركين قَتْلَ أولادِهم شركاؤُهم ليُرْدُوهم ولِيَلْبِسوا عليهم دينَهم) ؟ (الأنعام: 137) .
ليكن هذا أو ذاك، لقد جاء الإسلام فبدَّل الأحوال، وكرَّم الأنثى وأوصى بالبشاشة عند مولدها، ورعاها طفلةً وفتاةً وأمًّا، وأعطاها في المجتمع حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي العبادة حق التردد على المسجد من الفجر إلى العشاء، وفي التعليم ما تُكمل به إنسانيتها، فلم يَقصُرْها على نصيب محدود! وكان أن علا شأن المرأة؛ فبايعَت وجاهدَت وحقَّقَت لنفسها ما يُشرف نوعَها وظَفِرت المسلِمة بما لم تَظفَر به امرأة أخرى!
ثم غلَبَت تقاليدُ الجاهلية العربية شيئًا فشيئًا، حتى أقبل العصر الحاضر والمرأةُ محظور عليها أن تدخل مسجدًا في أغلب العواصم ـ خصوصًا المحافظة ـ أما حق التعليم فإنه لولا الحضارة الحديثة ما دخلَت أنثى مدرسةً ولا انتمت طالبة إلى جامعة، كأن تجهيلها فرض محتوم! وانكمشت إنسانية المرأة حتى كاد ميراثها يُجتاح كله، وحتى أصبح إذنُها في عقد الزواج شكلًا لا حقيقةَ له، وإذا اقترفت فاحشة قُتلت ونجا الطرف الآخر. والقاعدة العامة أنها لا ترى أحدًا ولا يراها أحد. وخط الانحراف في هذه المسألة أساء ولا يزال يسيء إلى الإسلام ويضع العوائق أمام دعوته!