في كل ساعة من ليل أو نهار تَقذِف الأرحام بعشرات ومئات من الأجِنّة السويّة الخَلْق، الدوّارة الأجهزة، المُتَجاوِبَة مع عناصر البيئة التي تَرْتَقِبُها، فهي تَسمَع وتَرَى وتَعِي وتَمضي في طريقها قُدُمًا إلى استكمال وجودها المقدور.
هل صنع الأبوان شيئًا في هذا التخلُّق الباهر؟
أعني: مَن صنع الحيوان المنوي وأودَع فيه خصائص الوراثة المادية والأدبية؟
ومَن صنع بويضة الأم ومد إليها صفات الآباء والأجداد؟
(أفرأيتم ما تُمْنُونَ. أأنتم تَخلُقونه أم نحن الخالقون) (الواقعة: 58،59)
إن إنشاء الحياة في عالَم الإنسان والحيوان والنبات يتكرر كل يوم، فلماذا نستبعد بعثًا يتم مثله بين أسماعنا وأبصارنا؟
إن ذلك سر تقريع القرآن للذاهلين عندما يقول: (ولقد عَلِمتم النشأةَ الأُولَى فلولا تَذَكَّرون) . (الواقعة: 62) .
إن انتشار الجهالة لا يعطيها وجاهة! وإذا كان منكرو البعث كثيرين فليسوا إلا قُطْعانًا من الغافلين أو المستَغْفَلِين!
وعلى كل عاقل أن يستمع إلى هذا النداء: (يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربِّك كَدْحًا فمُلاقِيه. فأما مَن أُوتِيَ كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حسابًا يسيرًا. ويَنقَلِبُ إلى أهلِه مسرورًا. وأما من أُوتيَ كتابَه وراءَ ظهرِه. فسوف يَدعو ثُبُورًا. ويَصْلَى سعيرًا) (الانشقاق: 6ـ12) .
إن العدالة لا تتحقق في هذه الدنيا، فهناك سَفِلة تَبوَّءوا القِمَم، وعباقرة توسَّدوا التراب، وقَتلَى أَزهَق المجرمون أرواحَهم وعادوا يَضحكون أو يَسكَرون.
إن اثنين وسبعين ألفًا من عرب فلسطين ومسلمي لبنان قُتلوا في الحرب الأخيرة، فلْنَفْرِضْ أن الله أدالَ للعرب وارتدَّت لهم الكرة بعد سنين طويلة أو قصيرة، سيكون الجزارون قد ماتوا، وقد يُعفَى عن أبنائهم أو أحفادهم ـ كما فعل صلاح الدين ـ وقد يُقتَصُّ ممن لم يَقترفْ جُرمًا!