فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 566

إن القوانين الكونية لها منطق فوق ما نعرف، ولها ضحايا يضيعون في حركتها الدائبة، يقول الشاعر:

وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما ذَوَى نَبْتُ جَنبَيْه وجَفَّت مَشَارعُهْ

فقلت: إلى أن يَرجِعَ النهر جاريًا ويَعشَبَ جَنْباه تموتُ ضفادعُه

من أجل ذلك كانت الآخرة حافلة بالانقلابات المثيرة:"رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عارية في الآخرة"رُبَّ مالكٍ هنا يكون مملوكًا هناك، سيهبط ناس من الأَوْج إلى القاع، ويرتفع آخرون من القاع إلى الأَوْج: (إذا وقَعَت الواقعةُ. ليس لوَقْعَتِها كاذبةٌ. خافضةٌ رافعةٌ) (الواقعة: 1ـ3) .

إن الآخرة حق؛ لأنها تصحيح لأوضاع وردٌّ لاعتبار، وتحقيق لعدل اختبَر الله الناسَ بتأخيره إلى حين، هذا الحين جزء من نظام الدنيا ومن امتحاناتها الصعبة، ولابد من مراعاته، ولذلك جاء في الحديث القدسي، في إجابة دعوة المظلوم:"وعزتي وجلالي لأَنصُرَنَّكِ ولو بعدَ حينٍ"وجاء في انتصار المؤمنين على الكافرين: (فتولَّ عنهم حتى حينٍ. وأبصِرْهم فسوف يُبصِرون. أفَبِعَذابِنَا يَستَعجِلونَ. فإذا نزَل بساحَتِهِمْ فساءَ صباحُ المُنْذَرين. وتَوَلَّ عنهم حتى حينٍ) (الصافات: 174ـ179) .

لقد تكرر هذا (الحين) وانتظامُه مرتين في سياق متقارب، لأن الله لا يعجِّل بعجلتنا، ولأن سنن الله الكونية فوق تفكيرنا المحدود، ولكنْ وزن الذرّة من الخير أو الشر لا يَضيع أو يُنسَى. وحديث الإسلام عن القيامة والحساب تناول مرحلتين:

الأولى: مرحلة الدمار الذي ينزل بهذا العالم، والانهيار الفلكي الذي يمحو نظامه ويُطفي نجومه. وقد جاء في السُّنّة:"مَن سَرَّهُ أن يَرَى القيامةَ رَأْيَ عينٍ فليقرأ: (إذَا الشمسُ كُوِّرَتْ. وإذا النجومُ انكدَرَتْ...) (إذا السماءُ انفَطَرَتْ. وإذا الكواكبُ انتَثَرَتْ...) (إذا السماءُ انشَقَّتْ. وأَذِنتْ لربِّها وحُقَّتْ...) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت