فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 566

ويَظهَر أن الهول الذي يَصحَب هذه الاضطرابات الشاملة يَغمُر الأفئدة بالفزع والرهبة فتَرى الناسَ سُكَارى وما هم بسُكَارى.

ومجيء الساعة يكون بغتةً والناس ماضون في أعمالهم العادية، الآكِل يرفع لقمته إلى فمه، والبنّاء يُشيِّد البيت الذي يبنيه، والتاجر يناول البائع السلعة التي يطلبها، وهذا وذاك في جدالهم حول شئونهم، ومستغرقون فيما يُعنيهم! يقول تعالى: (ويَقُولُونَ متى هذا الوَعْدُ إنْ كنتُمْ صادقينَ. ما يَنظُرونَ إِلَّا صَيْحةً واحدةً تأخذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إِلَى أهلِهِمْ يَرجِعُونَ) (يس: 48ـ50) .

أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة الحساب الذي يَشمَل الأولين والآخِرين، ويُحشَد أبناء آدم منذ بدءوا حتى انتهَوْا، ويستعرض أعمالهم منذ عقَلوا حتى ماتوا!

قيل لعلي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم في يوم القيامة؟ قال: كما يرزقهم على كثرتهم.

والذي نحسبه نحن أن الزمان سوف ينعدم كما ينعدم الوزن عن رواد الفضاء، وهل الخلود إلا انعدام الزمان؟ وأن رب العالمين سيجعل الخلق في حال من الإحساس العام بكل ما أسلفوه في الدنيا، وكأن أشرطة مسجَّلة تمر بأذهانهم مَلأَى بكل ما كان منهم وحكمِ الله فيه!

ثم يستعد كل إنسان للانطلاق إلى مصيره العدل: (ذلك يوم مجموعٌ له الناسُ وذلك يوم مشهودٌ. وما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجلٍ معدودٍ. يومَ يأتِ لا تكلَّمُ نفسٌ إلا بإذنِه فمنهم شقيٌّ وسعيدٌ) (هود: 103ـ 105) .

والجزاء ماديّ وروحانيّ معًا، إنه للإنسان الذي عبَد بجسمه وعقله، أو فجَر بجسمه وعقله! ولا يستطيع أي دارس للقرآن الكريم أن يفسر آياته في وصف الجنة والنار بأنها من قبيل المجاز، وليس هناك بتَّةً ما يدعو لهذا التعسُّف في التفسير.

والنظر إلى مادية الإنسان بأنها مَعرّة، ولِذاته الحسية بأنها هبوط هو تأثر بفلسفات خيالية لا وزن لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت