وقبل أن نَحكم على ظاهر هذا الحديث ونشرح معناه نذكر حديثًا آخر يُساويه في قوة السند، ويَزيد عليه في تكرُّر سِياقاتِه وتعدُّد رواياته، هذا الحديث هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اطَّلَعتُ في الجنة فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفُقراءَ! واطَّلَعتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلها النساءَ"وفي رواية أحمد:"فرأيت أكثرَ أهلها الأغنياءَ والنساءَ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يَدخُلُ فقراءُ المسلمين الجنَّةَ قبل الأغنياء بنِصف يوم، وهو خَمسمائة عام". وعن أسامة رضي الله عنه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"قُمتُ على باب الجنة فكان عامَّةُ مَن دخَلها المَساكينَ! وأصحابُ الجِدِّ"اليَسار والعافيَة"محبوسون، غير أن أصحابَ النار قد أُمِر بهم إلى النار، وقُمتُ على باب النار فإذا عامةُ مَن دخلها مِن النساء".
ماذا تعني ظواهر هذه الأحاديث جميعًا؟ وما أثرُها المنظور في بناء الأمة الإسلامية؟
إنها تَعني ترجيحَ الفَقْر على الغِنَى، والمَسكنةِ على السَّعَة، والصَّعْلكة على الثَّراء والتمكين!
أيُمكن أن تَقوم دولةٌ أو تزدهر حضارةٌ أو يَكسِب المسلمون معركة وهم واقفون عند هذه الظواهر لِمَا رُوِيَ عن نبيِّهم؟
إن ذلك مُستحيل، والحقُّ أن هذه الظواهر غير مُرادةٍ أصلًا، وأن معناها فوق مستوى القاصِرينَ، ولذلك قُلنا في كتاب آخر: إنه لا سُنّةَ بغيرِ فقه!
الزعم بأن كلَّ غِنًى رذيلةٌ زعمٌ سخيف، فالغنَى المَحقور هو المكسوب من سُحْت أو المَكنوز لا يَستفيد منه مجتمع، والأغنياء مِن هذا القبيل أعداء الله وأعداء الشعوب، وإذا مَلأوا جهنم فهي له مَصير عدْل. أمَّا تكوين الثروات من وجهٍ شريفٍ، وإيتاء حقِّ الله فيها، وتَطْويعها لإعلاء الإيمان وحِماية الثُّغور فهذا مَحْضُ الإيمان.
وقد كان العشَرة المُبَشَّرونَ بالجنة من هذا الصِّنف، ولم يكن فيهم رجل مُقِلٌّ.