هذا ما تذكره الآية الكريمة: (ولا تَحسَبنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزَقُون. فَرِحين بما آتاهم اللهُ من فضله ويَستبشرون بالذين لم يَلحَقوا بهم مِن خلِفهم ألاّ خوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون) (آل عمران: 169،170) صحيح أننا لا نشعر بهذا كله ولا بعضه. وقد صرحت سورة أخرى بذلك: (ولا تقولوا لمَن يُقتلُ في سبيلِ اللهِ أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تَشعرون) (البقرة: 154) .
إن عدم شعورنا لأن أجهزة الاستقبال السمعي والبصري عندنا محدودة القُدْرة، وغيرنا من الكائنات يرانا ولا نراه، وكما قال العلماء: عدم العلم ليس علمًا بالعدم.
إنه كما يسافر أحدنا من بلد إلى بلد يسافر الموتى من مكان إلى مكان، حيث تبدأ الحياة الآخرة، ويبدأ الحساب الرهيب تمهيدًا للمحاكمة الكبرى يوم النشور.
وهذه المرحلة المتوسطة هي البرزخ كما ذكرت الآيات: (حتى إذا جاءَ أحدَهم الموتُ قال ربِّ ارجِعُونِ. لعلِّي أعملُ صالحًا فيما تركتُ كلاّ إنها كلمةٌ هو قائلُها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعثون) (المؤمنون: 99ـ100)
ويُشبه ما يَلْقاه الفُجَّارُ في البرزَخ ما يفعله رجال الشرطة بالمجرمين عندما يقعون في قبضتهم، هناك تحقيق ابتدائي سريع، ثم يُرمَى المتَّهمون في السجن رَيثَما يقدَّمون للقضاء في محكمة كبرى.
ويُشبه ما يلقاه الأبرارُ ما يصنعه رجالُ العلم عندما يستقبلون مؤلِّفًا تقررت مكافأته، أو عبقريًّا مُنِح جائزة سَنِيَّة، إنه يُجاء به مكرَّمًا ويستريح في إحدى الغُرَف الأنيقة ريثما يأخذ ما تقرر له.
والذين يفعلون الخير أو الشر ليسوا سواءً في مراتبهم، فمن الأشرار مَن ينفتح له شُوَاظٌ من نار يَشوِي وجهَه حتى يوم اللقاء!
ومن الأخيار مَن يتذوق النعيم من أول يوم، كما جاء في وصف الشهداء أن أرواحهم مُعَلَّقة في قناديل تحت العرش تَرِدُ أنهار الجنة وتَطعَمُ من ثمارها!