فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 566

المهم الموت رحلة من حياة أرضية محسوسة لنا إلى حياة غيبية نسمع بخبرها وحسب. وقد كان الأصحاب الكِرام يعرفون ذلك معرفة يقين، فلما حضرت"بلالًا"الوفاةُ صاحت امرأته: وا كَرْباه! وصاح المُحتضَر المشرِف على الموت: بل وا طَرَباه، غدًا ألاقي الأحِبّة، محمدًا وحزبه!

والواقع أن الموت نقلة إلى عالَم مستقِرٍّ مطَّرد النمو. إن أودية الموت من بَدْء الخليقة تستقبل الأجيال المُدبِرة، الأجداد ثم الآباء ثم الأولاد ثم الأحفاد، وهكذا من قديم، فعالَم الموتى يتسع باستمرار والنتائج تتكشف فيه، ومعادن الناس تُعرَف.

لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصُون والقبور تزيدُ

وليس القصد من زيادة القبور أن مبانيها تزيد، وإنما القصد أن اللاحقين يتبعون السابقين! مَدَدًا بعد مَدَد، وهؤلاء وأولئك في انتظار القيامة الكبرى حتى يجيء أوانها.

وتبدأ حياة البرزخ بلَونَيها من ساعة مُفارَقة الروح للجسد، وتدبَّرْ قوله تعالى: (ولو تَرَى إذ الظالمون في غَمَراتِ الموتِ والملائكةُ باسطُو أيدِيهم أَخرِجوا أنفسَكم اليومَ تُجزَونَ عذابَ الهُونِ بما كنتُم تقولونَ على اللهِ غيرَ الحقِّ وكنتُم عن آياتِه تَستَكْبِرُونَ) (الأنعام: 93) .

واليوم ـ لا الغد ـ يبدأ العقاب على ما مضى من افتراء وكبرياء.

إن الإنسان طَرَقَ الدنيا عاريًا، ولقد تقلَّب فيها ثم هاهو ذا يتركها كما جاءها، لا مالَ ولا جاهَ ولا عِزوةَ ولا سلطانَ: (ولقد جئتُمونا فُرَادَى كما خلَقناكم أولَ مرةٍ وترَكتُم ما خوَّلناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ) (الأنعام: 94)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت