فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 566

ويظهر أنه بقَدْر ما يكون المَرْء طاغِيَة في حياته الأولى يكون ترصُّد الزبانية له وارتقابُهم لمَقدمه كيما يُؤَدَّب على غُلُوِّه وفساده، فتكون مراحل البرزخ الأولى لطمات تتناوله من كل جهة، وإهانات تلُفُّه بالخِزْي والعار. وذلك كله أيامَ القبر الأولى، أعني أيام البرزخ، وليس يحتاج الأمر إلى مساءلة، فما مَحِلُّها إذا كان المجرم قد لَحِقَتْهُ الوفاة وهو يقاتل الحق ويخاصم حَمَلَته من المرسَلين والصالحين؟ ترى ذلك في قصة الفراعنة: (النارُ يُعرَضُونَ عليها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويومَ تقومُ الساعةُ أَدخِلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ) (غافر: 46)

وتراه كذلك في كُبَراء قريش الذين أدركتْهم مناياهم وهم يقاتلون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في معركة بدر، قال تعالى: (ولو تَرَى إذ يَتَوفَّى الذين كفَرُوا الملائكةُ يَضرِبونَ وُجوهَهم وأدبارَهم وذُوقُوا عذابَ الحريقِِ. ذلك بما قدَّمت أيدِيكم وأن اللهَ ليس بظلَّامٍ للعبيدِ) (الأنفال: 50ـ51) .

وقد رُميَت جُثَث المشركين البُغاة في بئر، ووقف النبي بعد دفنهم يقول بصوت جهير:"هل وجدتم ما وعَد ربكم حقًّا؟"وهو يُناديهم بأسمائهم! فقال له أصحابه: أتُنادي قومًا جيَّفوا؟ قال:"ما أنتم بأسمَعَ لِما أقول منهم، ولكنهم لا يُجيبون".

إننا لا نشعر بما يلقاه الراحلون عنا، بل لا نشعر بشيء من عالَم الغيب وهو عالم مديد رهيب!

ولن تتأخر نفس أبدًا عن أخذ طريقها إلى البرزخ وملاقاة الجزاء المُعَدِّ لها، مهما كان حب الأقربين والأصدقاء والأتباع! وتدبَّرْ قوله ـ تعالى ـ يصف حالة المحتَضَر وعَجْزَ مَن حوله: (فلَوْلَا إذا بلَغَتِ الْحُلقُومَ. وأنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. ونحنُ أَقْرَبُ إليه منكُمْ ولكِنْ لا تُبصِرونَ. فلولَا إن كنتُمْ غيرَ مَدِينِينَ. تَرجِعونَها إنْ كنتُمْ صادِقِينَ) (الواقعة: 83 ـ 87) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت