لقد طالعتُ في السيرة النبوية أحاديثَ تُبرز المُجتمع الأول في صورةٍ أرْحَمَ وأرحَبَ من الصورة التي يَرْسِمها بعض الناس للمجتمع المسلم، وهي صورة قاتِمةٌ مُوحشة؛ روى مسلم في صحيحه أن جارًا فارسيًّا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان طيِّب المَرَق، فصنع لرسول الله طعامًا ثم جاء يدعوه، فقال:"وهذه؟"لعائشة فقال الفارسيّ: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا"أي: لا أذهب معك وحدي فعاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وهذه؟"قال: لا. فقال رسول الله:"لا"ثم عاد يدعوه للمرة الثالثة، فقال رسول الله:"وهذه؟"قال الفارسيّ: نعم. فقامَا يتدافعانِ حتى أتيَا منزلَه (ربما كان ذلك قبل نزول آية الحجاب، لكن الحجاب خاصٌّ بأُمهات المؤمنين كما قرَّر ذلك المُحققون، ويبدو أن الفارسيَّ المُضيف كان قد أعَدَّ الطعام لواحدٍ فقط، ولذلك تَحَرَّجَ من قُدوم ضيفينِ معًا، ولم يَدْرِ أن طعام الاثنين يكفي ثلاثة، وأن الرسول الكريم يُريد إيناس زوجته على مائدةٍ فارسية) .
وروى البخاري أن أبا أُسيد الساعديَّ دعا النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعُرْسه وأصحابَه، رضي الله عنهم، فما صنَعَ لهم طعامًا ولا قرَّبه إليهم إلا امرأتُه أمُّ أُسيد، فقد بلَّتْ مِن الليل تمراتٍ في تَوْر إناءٍ من حِجارة فلمَّا فرَغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمَاشَتْه له أي هرَستْه بيدها فسَقَتْه تُتحِفه بذلك، وكانت امرأته خادمتَهم يومئذٍ وهي عَرُوس.
وبَدَهيٌّ أن ذلك الاختلاط المَحدود تمَّ في إطار تعاليم الشريعة التي تُوجب على المرأة الحشمة الكاملة، والحِشمة المَطلوبة ستْرُ الجسد كلَّه ما عدا الوجه والكفين.