ثم إنه في باب السمعيات لا تُقبَل الروايات المُعتلَّة ولا الأسانيد والمتون المُختلفة، لقد ذكر السيوطي في كتابه"الإتقان"أن هناك ثلاثةَ أقوال في ألفاظ القرآن؛ أنها مِن عند محمد"كذا"! وأنها مِن عند جبريل، وأنها كالمعاني مِن عند الله.
وإيرادُ هذا الكلام ضربٌ من الجهل رفضه المسلمون أجمعون، فالقرآن ألفاظٌ ومعانٍ من عند الله، ولكن السيوطي حاطِبُ ليلٍ وجمَّاع للحق والباطل دون تمحيص، ونحن لا نأخذ ديننا بهذه الطريقة البلهاء.
وإنني أعجب؛ لماذا يُريد بعض إخواننا أن يَقرِن التصوف بهذه المبتدَعات والغرائب المنكورة! إن التصوف عند رجاله الأوائل طريقُ تربيةٍ نفسيةٍ صالحةٍ، وتدريبٌ على مُراقبة الله ومُشاهدته فيما نفعل ونترك. ويُمكن تسميته على الأخلاق الدينية؛ لأن تراثه المنتَقَى لا يخرج على هذا الإطار. وقد كان أبي ـ رحمه الله ـ صوفيًّا من أتباع الشيخ أبي خليل، فما عرَفْتُه إلا كادحًا يتَّقي اللهَ في رزقه، ويقرأ كتابَه في دكانه، ويُعايش الناس على الأُخُوّة السَّمحة، ولا يعرف شيئًا بعد ذلك من هذه الخَيالات.
أخشَى إذا حرَص صوفية العصر على التشبُّث بغير الكتاب والسُّنة أن يَجْنُوا على التصوف جملةً وتفصيلًا فيُجتاحَ من أصله.
ولهذه المناسبة نَذكر ما لَهِجَت به الألسنة أخيرًا من تفسير الدكتور عبد الحليم محمود لأوائل سورة النجم، يقول الله ـ تعالى ـ واصفًا الوحي النازل على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام:
(علَّمَهُ شَديدُ القُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وهو بِالأُفُقِ الأعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى) فمَن هو شديد القُوَى الذي استوَى بالأُفق ثم اقترب مِن الرسول فعلَّمه ما تعلَّم؟
في سورة التكوير يذكر هذا المعنى بأسلوب آخر (إنَّه لقولُ رسولٍ كريمٍ. ذي قُوةٍ عند ذِي العَرْشِ مَكِينٍ) إلى أن قال: (ولقد رآه بالأفُق المُبينِ) .