فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 566

وفي سورة الشعراء يُصاغ هذا المعنى نفسه في قالَب آخَرَ (وإنَّه لتنزيلٌ مِن ربِّ العالَمينَ. نَزَلَ بهِ الرُّوح الأَمِينُ. على قلبِك لتكونَ مِنَ المُنْذِرِين) .

وظاهرٌ مِن هذه الآيات كلها أن الموصوفَ بالقوة، الباديَ بالأُفق، النازلَ على قلب الرسول الأمين ـ هو مَلَكُ الوحي، جبريلُ لا غيرُ، لكنّ الدكتور عبد الحليم محمود ـ عفا الله عنه ـ لوى عُنق الآيات مِن أوائل النجم، وجعل الذي دنَا فتدلَّى هو الله سبحانه وتعالى.

وهو خطأٌ مُبين، وينبغي عند تفسير آيةٍ ما نزَلت في موضوعها آياتٌ أخرى وأحاديثُ مُتعددةُ الروايات ألا نَحصُرَ أنفسَنا داخلَ آية واحدة ورواية واحدة ثم نَتعسَّفَ القول، خصوصًا عندما يتصل الأمر بذِي الجلال والإكرام، وحُبُّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يَشفع في هذا الخطأ.

لقد اعتمد الدكتور الفاضل في رأيه على حديثٍ للبخاري أخرجه من رواية شَريك بن أبي نَمِرٍ عن أنس بن مالك، وهذه الرواية مُجرَّحة، قال النووي في شرحه لمسلم: قد جاء مِن رواية شَريك في هذا الحديث أوهامٌ أنكَرها عليه العلماء، وقد نبَّه مسلم على ذلك بقوله: قدَّم وأخَّر وزاد ونقَص. يعني في الرواية التي أوردها البخاري عنه.

وهذه الرواية المُنْكَرة تصرح بأن الإسراء قبل البعثة! وأن القصة كلها رؤيةُ منامٍ! وأن ربَّ العزَّة هو الذي دنَا فتدلَّى!

ونقل القاضي عِيَاض إنكارَ أهل العلم لهذه الرُّؤية، قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي عياض قاله غيره.

وقال الحافظ عبد الحق في كتابه"الجمع بين الصحيحين"بعد ذكر هذه الرواية عن أنس، التي أثبتها البخاري: قد زاد فيها شَريك زيادةً مَجهولةً وأتى فيها بألفاظ غير معروفة.

هذه هي الرواية التي اعتمد عليها الدكتور عبد الحليم في تفسيره الذي دافع عنه بحرارة وأثبَته في رسالته التي نشَرها مجمع البحوث، وهو تفسير لا يُقبل بتاتًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت